“مرسح: مساحة ثقافيّة في طرابلس في مواجهة الصورة النمطيّة

0

تحقيق: هنادي نصّار

نادين علي ديب: “الفن مساحة لاستشراف إمكانات جديدة وإعادة التفكير في الطريقة التي نريد أن نحيا بها”

في مدينةٍ كثيرًا ما تُختزل صورتها في الأزمات والصراعات والصور النمطية، ثمّة من يحاول أن يروي طرابلس من زاوية أخرى؛ زاوية الفن والثقافة والخيال، وحق الناس في أن يتصوروا مدينةً تشبههم أكثر.

من هذا الإيمان انطلقت تجربة «مرسح»، التي بدأت كمبادرة ثقافية مستقلة في الميناء، قبل أن تتطور إلى مساحة تحتضن الفنون البصرية وفنون الأداء والموسيقى والسينما والأدب، وتفتح أبوابها لفنانين ومبدعين من طرابلس وشمال لبنان.

لكن المشروع لا يطرح الفن بوصفه ترفًا أو مساحة للترفيه فحسب، بل بوصفه فعلًا ثقافيًا قادرًا على طرح الأسئلة ومساءلة الواقع وفتح آفاق جديدة. وفي مدينة تتقاطع فيها الأزمات مع محدودية المساحات العامة، يصبح وجود فضاء مستقل للفن أشبه بمحاولة لاستعادة حق أساسي: حق الإنسان في أن يلتقي، وأن يفكر بحرية، وأن يسأل: كيف نريد أن نعيش؟

في هذه المقابلة، نتحدث مع الناشطة الثقافية ومؤسسة «مرسح» نادين علي ديب، عن تجربتها في بناء مساحة ثقافية مستقلة في طرابلس، وعن علاقة الفن بالمجتمع والأزمات، ودور الثقافة في توسيع الحياة العامة، وصولًا إلى سؤالٍ أكبر: كيف يمكن للفن أن يُساعدنا على بناء صورة مختلفة لمدينتنا ولحياتنا فيها؟

كيف تُعرّفين عن نفسك وعن عملك؟

قبل كل شيء، أنا ابنة طرابلس، وأم، و«ناشطة ثقافية»، أعيش بين لبنان وهولندا. لدي اهتمام كبير بالتقاطعات الفنية، وبما يمكن أن يقدّمه الفن بوصفه حالة مشاكسة تطرح أسئلة اجتماعية وسياسية ونقدية.

ويهُمّني هذا التقاطع الذي يتيحه الفن، لما يمكن أن يحققه من إعادة التفكير في السرديات التي نعيش فيها، وتعريفها وفق رؤية جديدة. كما أؤمن بأن بلورة هويتنا تتطلب منا العمل على إنتاج المعرفة التي تميزها وتعرّف بها بشكل واضح.

كيف وقع الاختيار على تسمية «مرسح»؟

«مرسح» هي الكلمة الشعبية لـ «مسرح». وأثناء بحثنا عن تسمية للمشروع، كنا نريد اسمًا بعيدًا عن التكلّف، يشبه الأجواء التي تحفل بها هذه المساحة، ولا سيما أن هذا التعبير يُستخدم في لبنان ومصر وسوريا للدلالة على ما كان يُعرف أيضًا بـ «التياترو».

كما أن هذه التسمية كانت قد علقت في ذهني بعد مشاهدتي عملًا دراميًا للمخرج السوري حاتم علي استخدم فيه هذا المصطلح.

كيف وُلد المشروع، وما الأهداف التي انطلق منها؟

بدأت التجربة عام 2016 من خلال مشروع «ورشة 13»، وهو عبارة عن مقهى وبار أسسته بتمويل خاص ليشكّل مساحة مستقلة وشاملة في الميناء لصعوبة الأمر في طرابلس. كنت أسعى إلى إيجاد نموذج تقدمي يعمل على التقاطع بين الفن والمعرفة والنقد.

لم يكن الهدف إنشاء مقهى أو مكان للفعاليات فحسب، بل محاولة إيجاد فضاء ثقافي مستقل. وقد غلب عليه الطابع الموسيقي، لصعوبة تقديم تجارب مختلفة، مثل الأعمال المسرحية، لأنها تتطلب مساحة أكبر.

وكنت قد شاركت في إقامة فنيّة في روما، وعايشت كيف تمتلك معظم المدن قصصًا ومساحات تتيح لها أن تقدم نفسها وأن تعيد النظر في صورتها. في المقابل، لا نجد ما يشبه ذلك في طرابلس التي غالبًا ما تُقدَّم من خلال إسقاطات مرتبطة بالعائلات السياسية وعلاقاتها بالمدينة، والتي تحدد من يحق له أن يعمل وبماذا وكيف، وما أنواع المشاريع المقبولة، إضافة إلى الطبقية الواضحة في المدينة.

لكن معظم المدن، توفر مكانًا للمحافظين، وآخر للتقدميين، ولمن هم بين الاثنين، وهكذا نرى تنوعًا في الأنماط السائدة داخل هذه المجتمعات. مما يولّد أجواء من المشاكسة التي تتيح طرح الأسئلة البنّاءة واختيار نمط العيش الذي يناسب كل مجموعة.

 وأشدّد بأنني لا أسعى إلى التغيير في المجتمع إنما أريد ببساطة أن أعيش في مدينتي بطريقة مختلفة، وأن أحاول إنشاء فضاء مستقل يسمح بذلك، ويُتيح لي ولغيري اللقاء بأناس يشبهونني. وإيماني بأهمية التلاقي ضمن مجموعة تعمل يدًا بيد. وهو ما اكتسبته من تجربتي الكشفية ونشاطي الجامعي.

يشغل «مرسح» اليوم مساحة تراثية مميزة. كيف استطعتم تحقيق ذلك؟

في عام 2022، أخذ المشروع الذي بدأته في «ورشة 13» شكلًا جديدًا، إذ شجعتنا مؤسسات وشركاء عديدون على المضي في مسار التحول نحو العمل المؤسسي، وعدم الاكتفاء بنموذج المقهى الذي يقدم الفعاليات بطريقة عفوية وغير رسمية.

عندها بدأنا العمل على تأسيس «مرسح». كنت أطمح إلى مكان يحمل هوية خاصة، يشبه الأماكن القديمة، ويمكن تحويله إلى مساحة معاصرة نستطيع العمل فيها، وتحديدًا في منطقة الميناء.

ما دور الجهات المانحة في استمرار المشروع وتطوره؟

لا شك في أن الدعم كان أساسيًا للوصول إلى هذه المرحلة. حصلنا على أول منحة من السفارة النرويجية في لبنان، التي طلبت منا أن نتقدم بمشروع لتحويل المبادرة إلى مؤسسة. دعمتنا السفارة في مرحلة التأسيس، أي في كيفية إنشاء المؤسسة وتطوير نموذج عملها، ولا تزال تدعمنا حتى اليوم.

فالقطاع الثقافي والفني تحديدًا يحتاج إلى الدعم والموارد والمنح، لكي لا يضطر هذا النوع من المشاريع الهادفة إلى التحول إلى نموذج تجاري ترفيهي يكون هدفه الأساسي تحقيق الأرباح، مما قد يفقده قيمته.

قد يكون هناك نموذج يقع في المنتصف بين الثقافة والعمل التجاري، لكن تحقيقه ليس سهلًا، وغالبًا ما يواجه صعوبات كبيرة في الاستمرار.

لا يمكن أن يُقاس الفن الملتزم بمنطق الربح والخسارة. هناك قيمة اجتماعية ومعرفية وثقافية يصعب اختزالها في العائد المادي فقط، ولذلك تحتاج المشاريع الثقافية المستقلة إلى أشكال مختلفة من الدعم كي تتمكن من الاستمرار.

هل تحتاج طرابلس تحديدًا إلى المزيد من المساحات الثقافية والفنية؟

في الواقع، كل مدينة تحتاج إلى مساحات فنية، تسمح للفنانين بإنتاج أعمال وأمكنة تتيح للكتّاب حرية التعبير، لأن ذلك يسهم في بناء حياة عامة أكثر حيوية. وطرابلس تحتاج إلى ذلك أكثر من غيرها. لأنه وعلى الرغم من وجود مساحات عامة عديدة، فهي ليست دائمًا متاحة للناس، ولا تفتح لهم أبوابها بشكل كافٍ. بعضها يغلق أبوابه مبكرًا، والبعض الآخر لا يمكن الوصول إليه بسهولة، أو يفرض معايير معينة، وبالتالي لا تتحقق فيها فكرة الإتاحة العامة.

نحن بحاجة إلى أن تكون الحياة العامة في طرابلس مختلفة قليلًا، وألا تقتصر على الأكل والسهر واجتماعات «الأرجيلة». وأُوضح بأنني لست في صدد انتقاد خيارات الناس، لكنني أعتقد أنه من المهم أن يكون هناك طرح آخر أيضًا، هو الطرح الثقافي والفني.

ماذا يستطيع الفن أن يضيف إلى المجتمع؟

أعتقد أن الفن يساعد المجتمعات على استشراف أفق وواقع مختلفين. إنه يمنحنا مساحة للتحرر من جهة، وللترابط من جهة ثانية. في المسرح والموسيقى والفنون عمومًا شيء من السحر يجعل الناس أكثر لطفًا، ويجعل العالم أكثر ليونة.

وأنا لا أتحدث هنا عن الترفيه فقط، بل عن فنون رافقت البشرية منذ بداياتها. فمنذ أن بدأت المجتمعات البشرية بالتشكل والتطور، كانت الموسيقى والمسرح والفنون جزءًا أساسيًا من حياتها ومن الطريقة التي تطورت بها.

كيف تختارون البرامج والفعاليات التي تقدمونها؟

نشتغل بطريقة Curatorial، ونحاول دائمًا تقديم أعمال فنية هادفة ومُتنوعة، بطبيعتها المختلفة، ومُتعددة التخصصات. أحيانًا نعمل في الفنون البصرية، وأحيانًا في فنون الأداء، بشكلها المعاصر.

نقدِّم الفن بأشكاله المختلفة: السينما، والمسرح، والموسيقى، والأدب وغيرها، بحسب المُتاح وما يمكن أن يقدمه.

وغالبًا ما ننطلق من السياق العام والجو الذي نعيش فيه، والأسئلة التي تطرح نفسها في تلك اللحظة، ثم نسأل: ماذا يمكننا أن نقدم في هذا الوقت؟

تؤدّي هذه المساحات دورًا مهمًا في أوقات الأزمات، من خلال تقديم مقاربات فنية تحاكي الواقع وتساءله، وتفتح المجال أمام طرح حلول وتصورات مختلفة. والأهم أنها تتيح لنا التفكير في إمكانات أخرى، والخروج من أسر الواقع القائم.

وأعتقد أن أهمية هذه المساحات تتضاعف كلما ضاق الأفق، ولا سيما حين تكون الدولة غائبة أو عاجزة عن توفير بيئة تتيح للناس التواصل والتفكير واللقاء. ففي مثل هذه الظروف، نحتاج إلى أماكن آمنة يستطيع الناس أن يجتمعوا فيها لتبادل الأفكار، وأن يبحثوا معًا عن سبل ومخارج للأزمات التي يعيشونها.

لا أحبذ أن تتحول هذه المساحات إلى أماكن مغلقة أو معزولة عن المجتمع، لكن هذا جزء من واقعنا اليوم. لذلك، أرى أن أهم ما يمكن أن تقدمه في أوقات الأزمات هو الحفاظ على إمكان اللقاء والتفكير، وفتح آفاق جديدة، والإبقاء على مساحة لاحتمال آخر، حتى عندما يبدو الأفق مغلقًا تمامًا.

ماذا يقدم برنامج الإقامة الفنية الذي تعملون عليه؟

يسعى هذا البرنامج إلى تنشئة حركة فنية مستقلة في الشمال. ويتيح للفنانين فرصة الاستفادة من استوديو للعمل، وليس للإقامة أو المبيت طبعًا، ويعملون تحت اشراف فنانين مرشدين لديهم خبرة متخصصة في مجالاتهم ويساعدونهم على تطوير أعمالهم.

يقدّم الفنانون مشاريع تقوم على أفكار يريدون تطويرها والعمل عليها، ثم تنظر لجنة مختصة في هذه المشاريع وتختار الأعمال التي ستدخل البرنامج. تكون المشاريع عادة مكتملة من ناحية الفكرة، لكنها تحتاج إلى التجريب والتطوير حتى تتحول إلى أعمال فنية مكتملة أو إلى عروض تجريبية أولية. وبذلك نعمل من خلال هذا البرنامج على تنشيط الحركة الفنية المستقلة في شمال لبنان. فنختار فنانين في مجالات فنون الأداء والفنون البصرية، ونوفر لهم إمكانية العمل والحصول على منح إنتاج.

وماذا حقق البرنامج حتى الآن؟

في السنة الأولى، اخترنا ثمانية فنانين، وأصدرنا مجلة أو نشرة فنية تضمنت مواد بصرية وسردية متنوعة، كما أنتجنا أربعة أو خمسة أعمال فنية بصرية.

أمّا هذه السنة، وبسبب اختلاف الموارد، اخترنا ثلاثة فنانين فقط. لدينا عملان في مجال فنون الأداء وعمل في مجال الفنون البصرية، إضافة إلى عملين آخرين سنعمل عليهما لاحقًا.

أي أنواع الفنون يشهد إقبالًا أكبر من الجمهور؟

الموسيقى تحظى باهتمام كبير، ولا سيما الموسيقى التي تميل إلى الطرب وتكون سهلة التلقي، أي ليست تجريبية بالضرورة. ولذلك، نحاول أن نوسّع نطاقها. أما السينما فتلقى إقبالًا بدرجة أقل، وكذلك الأنشطة الأخرى.

هل يتمتع «مرسح» الآن باكتفاء ذاتي؟

بالطبع لا نملك اكتفاءً ذاتيًا من الناحية المادية. فإذا أردنا أن نحقق ذلك علينا التوجه نحو النموذج التجاري، الذي يقوم مثلًا على الموسيقى التجارية والمطاعم والمقاهي و«الأرجيلة».

لذلك، يمكن القول إن لدينا نوعًا من الاكتفاء الجزئي فقط. نحن نؤجر مساحة الاجتماعات، وأحيانًا نحقق بعض الإيرادات من بطاقات الدخول، لكن الفنانين لا يعتمدون عليها كمصدر أساسي لأجورهم؛ فنسدد مستحقاتهم من الهبات التي تصلنا ومن التمويل الذي نحصل عليه، فيما تذهب نسبة من عائدات التذاكر إلى صندوق المؤسسة، على الرغم من أن أسعار التذاكر لدينا منخفضة نسبيًا، إذ تبلغ نحو 15 دولارًا.

هل لديكم تعاون مع جهات ومؤسسات مدنية أخرى؟

بالتأكيد، نتعاون مع البلدية، ومع مختلف المؤسسات الثقافية والمدنية. لدينا الكثير من أشكال التعاون، ونتمنى أن تتوسع أكثر، وأن تصبح هذه المساحة مساحة مدنية وثقافية بالمعنى الأوسع.

هل تشكل خصوصية البيئة الاجتماعية المحافظة في طرابلس عائقًا أمام مساركم؟

طرابلس بيئة محافظة بالتأكيد، فالقرارات المرتبطة بالمدينة لا تزال مرتبطة إلى حد كبير بالعائلات السياسية. ونرى ذلك في توجهات البلدية، وفي طريقة التعاطي مع الشأن العام، وكذلك في كيفية التعامل مع بعض المواضيع.

من ناحية أخرى مثلًا أبناء طرابلس يتجنبون التجول في المدينة بعد الساعة السابعة مساءً، نتيجة الوضع الأمني الذي مرت به المدينة. فعندما ننظّم فعالية في الساعة الثامنة مساءً، يعتبر الكثيرون أن الوقت متأخر للخروج، وفي كثير من الأحيان، يُستخدم العامل الأمني كذريعة للإبقاء على المدينة ضمن هذا الإطار المحافظ، وهذا يشكل بالنسبة إلينا عائقًا كبيرًا.

ما تطلعاتك المستقبلية لهذه المؤسسة؟

في نهاية المطاف، نريد أن نكون مؤسسة ثقافية مستقلة في المدينة، وأن نقدم نموذجًا حيًا يشعر الناس من خلاله بأن ما نقدمه هو مساحة للإبداع والتلاقي، وفرصة للتعامل مع الفنون بوصفها مواد يمكن أن نتفاعل معها من خلال شكلها الفني، أو معرفتها، أو قدرتها على فتح آفاق جديدة.

فنحن نسعى إلى أن نكون جزءًا من دوائر اجتماعية تساعد الحياة العامة في المدينة، وتساهم في توسيع حدودها الثقافية، وفي مراقبة المشهد الثقافي والفني والتفاعل معه.

Share.

About Author

باسل عبدالله - مسؤول تحرير مجلة تواصل مدني

Comments are closed.