في تفكيك سرديات الخوف: حوار مع د. نايلة أبي نادر حول العقل، الدولة، والرهان على الإنسان

0

أجرى المقابلة: باسل عبدالله وأديب محفوض وهنادي نصار

تُعدّ الدكتورة نايلة أبي نادر، أستاذة الفلسفة والباحثة في نقد الفكر الديني والإبيستمولوجيا المعاصرة، من أبرز الأصوات الأكاديمية المشتغلة بمشروعٍ نقدي يهدف إلى تفكيك البنى التراثية وزحزحة المفاهيم الراكدة ومساءلة الأرثوذكسيات المغلقة، متكئةً على أدوات التحليل الإبيستمولوجي والمقاربة التفكيكية؛ وهو ما تجلّى بوضوح في دراستها المرجعية «التراث والمنهج بين أركون والجابري»، وأبحاثها الممتدّة في قضايا التحديث والوعي النقدي.يندرج حوارنا معها في هذا العدد من مجلّة “تواصل مدني” في صلب تلك الانشغالات المعرفية، ليعبر بالفلسفة من برجها النظري إلى الممارسة التحرّرية اليومية؛ حيث يُسائل اللقاء إشكاليّة “المستحيل التفكير فيه” كعائقٍ أمام ولادة الفرد والدولة الحديثة، ويشرّح مفارقة “حداثة القشور” في ظلّ الانكفاء القبلي. كما يفكّك الحوار مأزق “النسيان الممنهج” وغياب السردية التاريخية المشتركة، متوقفًا عند انفصام الذات بين فاعليتها الفردية واستلابها الطائفي، وتواطؤ المناهج التربوية في تعطيل الحس النقدي؛ لنخلص إلى مساءلة الرهان الوجودي للمفكر بين قسوة التفكيك وجسارة الأمل.

انطلاقًا من هذا المسار الفكري الحافل بالمساءلة والبحث، نستهلّ حوارنا بالعودة إلى البدايات والتكوين الأول:

*ما الذي دفعكِ إلى دراسة الفلسفة؟ وما هي ميادين عملكِ ونشاطكِ الفكري؟

الفلسفة اختصاص جذّاب بحد ذاته.

لم تكن الفلسفة هذا الخيار الأوّل للتخصّص، كنت أنظر إلى الطب نظرة إنسانية، بخاصة في زمن الحرب التي مزّقت لبنان، وقطّعت أوصاله، فلم تعد خدمة الاستشفاء متوفّرة للجميع بنفس الجودة والاحتراف. كانت دراسة الطب بالنسبة إليّ مساراً لا بدّ منه لخدمة المجتمع المتألّم، وللتعرّف على خفايا وظائف الخلايا والأعضاء في جسد الإنسان. حاولت التقدّم إلى مباراة الدخول، لكن في اللحظة التي كنت أملأ فيها طلب الترشّح، وعندما رأيتُ أن عدداً كبيراً قد تقدّم بالترشّح قبلي، انتابني شعور عميق جعلني أتيقّن أن مكاني ليس هنا، والدور الذي أريد أن أقوم به في مجتمعي ليس في هذا الحقل. فور الانتهاء من ملء الطلب، سألت والدي الذي كان يرافقني يوم ذاك أن يذهب معي إلى كليّة الآداب في الجامعة اللبنانيّة. قرّرتُأنأستجيب لعطش السؤال عن الحقيقة الذي كان غالباً ما يؤرقني. فاخترتُ أن أتخصّص بالفلسفة، وبدأَت مع هذا الخيار رحلتي في عالم الفكر.

لحظتُ،فيما بعد، أن الفلسفة بالنسبة إليّ كانت شغلي الشاغل من حيث لا أدري، فمسألة الموت كانت تؤلمني جدًا، نحن الجيل الذي عاش الحرب، ورأى مشاهد القتل والدماء والألم والتوابيت التي تمّ لفّها بالأعلام، وسمع صراخ الأمهات الثكالى والأرامل. كنت دائمًا أتساءل عن جوهر الموت، وكان هذا السؤال يؤرقني جدًا. كنت أخشى على الذين أحبهم من الموت.دفعني هذا القلق إلى دخول عالم الفلسفة.وعندما بدأت بدرس هذا الاختصاص، اكتشفت أنني وجدت ما كنت أبحث عنه، بل وجدت نفسي.

بعد أن حزتُ على الإجازة بالفلسفة درستُ اللاهوت المسيحي، وبدأتُ بتدريس التعليم الديني. أوّل ما سنحت لي الفرصة لتدريس الفلسفة بدأَتْ مسيرتي مع التعليم في المدارس الخاصة وفي المدرسة الرسمية. بعد نيل شهادة الدكتوراه قمتُبتدريسالفلسفة في كلية الآداب في الجامعة اللبنانيّة، وذلك منذ العام الأكاديمي 2006-2007.

هموم الجامعة، ونضال أساتذتي فيها، أمورٌ دفعتني إلى الالتزام بالعمل النقابي منذ بداية التفرّغ، أي في العام 2008. انتسبتُ من دون تردّد إلى رابطة الأساتذة المتفرّغين في الجامعة اللبنانيةمن أجل متابعة مسيرة المناضلين الذين سبقوني فيالدفاع عن حقوق الأساتذة.

للأسف، نحن في الجامعة اللبنانية جزء من المؤسّساتالعامة، والتعاطي معها، كما تعلمون، يخضع لعوامل عدّة ليست دائماً لمصلحة الجامعة وأهلها.فنحن دائمًا نطالب بتحسين وضع الأساتذة الذي سينعكس إيجاباً على الأداء بشكل عام.لكن، وبعد أن مضت عقودٌ وعقودٌ من النضال، لحظنا أن ما نصل إليه بعد طول معاناة، هو ما كان يجب أن يُطبّقمن دون معاناة.فالجهد المبذول هو لتحصيل الحدّ الأدنى من الأمان الوظيفي، وليس من أجل تعديل القانون أو تحسين أحوال الجامعة وأهلها، وهذا أمر مؤلم جدًا. عدا عن أنّ لدينا زملاء مُتعاقدينبالساعة، يتقاضون رواتبهم كل سنتين مرّة، وهم محرومون من الاستقرار الوظيفي، وما يترتّب عنه من حقوق. نسعى بجهد لكي نصل إلى النقطة التي ينطلق منها غيرنا في الجامعات الأخرى، أي أن العمل النقابي بات لتحقيق ما هو بديهي ويجب أن يُطبّق من دون انتظار.

لا داعي للتذكير هنا بأنّ الجامعة اللبنانيّة قضيّة وطنية، وهي تعني شريحة كبيرة من المجتمع. إنها تؤمّن خدمة راقية للأجيال القادمة، وتلعب دوراً رئيسيّاً في إعداد الشباب لسوق العمل. توفّر خدمة التعليم المجانيّ وتساوي بين جميع المواطنين. من هنا يأتي واجب العمل على حمايتها ودعمها والوقوف إلى جانب أهلها.

كذلك، اخترت أن أنشط في المجال الثقافي، فانتسبتُ إلى عضوية الحركة الثقافيةفي أنطلياس. حاليًا أنا في الهيئة الإدارية، وسابقًا كنت أميناً عاماً فيها.كما أني عضو في مجلس أمناء مؤسّسة”تكوين الفكر العربي” في مصر. أنشر على موقعها الإلكتروني مقالات ودراسات حول الفكر العربي المعاصر وقضاياه بشكل عام. كما أشارك في محاضرات ومنتديات ثقافية تُنظّمها المؤسّسة.

بالإضافة إلى ذلك، أُلبّي، من وقتٍ إلى آخر، الدعوات التي تصلني إلى ندوات ومحاضرات متنوّعة خارج لبنان حول مواضيع من أهمها الأنسنة في الإسلام، والحوار الإسلامي المسيحي، والفكر النقدي، آخرها كان في جامعة Notre Dame University في روما. كما أني لبّيت دعوات مختلفة إلى مصر والمغرب والأردن للمشاركة في مؤتمرات علميّة وثقافيّة متنوّعة.

*هل تشعرين من خلال تجربتكِ أنّ من بين الناس مَن يحمل في شخصيّته خصائص معيّنة تجعله على استعداد أكبر لدراسة الفلسفة، أم أنّأيّاً كان يمكنه خوض غمار هذا المجال؟

كلّ إنسان لديه سؤال عن جوهر الحياة والموت، أوسؤال حول ماهيّة الحب والحرية، أوسؤال حول بنية المجتمعات وركائزها، أوسؤال حول السياسة والحكم وإدارة شؤون الناس،بإمكانه أن يتوجّه نحو الفلسفة.

الفلسفة حقلٌ واسع جدًا. واليوم، عندما يتخصّص طالب في العلوم السياسية أو العلوم الاجتماعية أو في علم النفس أو في الأدب، يلحظ أن هناك دائمًا نظرة فلسفية للأمور التي يدرسها. الشهادة التي تمنحها الدولة اللبنانية وغيرها من الدول اسمهاPhDأيPhilosophy degreeبالأدب أوبالرياضيات إلخ… هذا يعني أن يقوم الطالب بفعل تفلسف حول موضوعٍما أو إشكاليّة ما في السياسة أو القانون أو الفن، أو الشعر، أو الأدب… الفلسفة هي فعل تفكير عميقٍ في أيّ موضوعيمكن أن يهمّ أيّ إنسان. هذا التفكير له بعدٌ نقديّ يمكّنه من الإحاطة بالرأي والرأي المختلف في الوقت عينه.

*من يدخل مجال الفكر والفلسفة عادة ما يواجه صعوبات في مجتمعنا ويعيش معاناة الوعي والشك أحيانًا في كل ما يدور حوله، ماذا تخبرينا عن تجربتكِ وشكّكِ و”مُعاناتكِ” إن صحّ التعبير؟

الشك هو رفيق الدرب المعرفيّ، وهو المحفّز على المزيد من البحث، وعدم الاستسلام. الشكّ هو الذي يفتّح فينا الوعي بجهلنا، بضخامة هذا الجهل واتّساعه. المهم هنا هو كيف نبحث كي نجد الجواب الذي يُقنعنا في مرحلة معيّنة من عمرنا أو من تكويننا المعرفيّ.في كلّ مرحلة هناك أجوبة تقنعنا، كما أن هناك أسئلة جديدة تقلقنا.من الصعب جداً في المجال المعرفي أن نعثر على جواب واحد يقنع الجميع أو يقنع إنساناً ما في مختلف مراحل تطوّره المعرفيّ. لذلك يبقى الشك، وطرح السؤال، والمراجعة النقدية، هي الحالات الفكرية التي ترافق الباحث عن تعميق المعرفة.

أذكر أن أوّل شعور سلبيّاختبرته عندما درست الفلسفة، كان الإحساس بالغربة؛ الغربة عن أقرب الناس إليّ. عندمايبدأ الإنسان في مُقاربة الأمور بطريقة مغايرة، قد تزعج الآخرين أو تفاجئهم، يجدهم إما يتفادون الجلوس معه وفتح النقاش، وإما يحاولون التصدّي له بقوّة.تتوتّر الأجواء وتشعر بأنك لا ترغب في أن تبوح لهم بما لديك من أفكار لأنه من الممكن أن يُنظر إليك كشخصٍ إما متعجرف، أو مُتكبِّر، أو مُتفلسف. فالذي يفكّر أو الذي يبحث بعمق ويريد أن يجد جوابًا، يقولون له بقوّة: “ما تتفلسف”، في حينأنّه من الأفضل القول “ما تتسفسط” باعتبار أن السفسطة هي الكلام الذي قد لا يُفهم بوضوح، وهو عبارة عن رصف الألفاظ بشكل منمّق، يقول الكثير لكي لا يقول شيئاً.لقد تمّ تشويه الفلسفة فعلاً في البيئة التي نعيش فيها.

نحن كبشرنجد أنفسنا في صراعٍ دائمٍ، وهو صراع جميل يكشف لنامواضع ضعفنا في التفكير، ضعفنا في الإقناع، ضعفنا في إيجاد الجواب الشافي. الأمر الذي يحثّنا على البدء بالاشتغال على أنفسنا. وهذا ما كان يُصرُّ عليه دائمًا سقراط من خلال حواراته مع الآخرين. أراد أن يكشف لهم الثغرات المعرفية التي لديهم. الفلسفة ساعدتني في أن أكتشف ضعفي حتى في الأمور التي أؤمن بها وأعتقد بها ولا ينتابني بشأنها أيّ شك. فكيف كنت سأدافع عنها إن لم أكن مُتمكنةً منهابما يكفي؟

الاغتراب هو الألم المستمرّ. ألمي اليوم، عندما أشاهد مثلاً على تيك توك أو الإنستا، أو على الفيسبوك، نوعيّة الوجوه التي يتمّالإضاءةعليها، وماهيّةالأشخاص الذين يحصدونأعدادًا كبيرة من المتابعين على وسائل التواصل.أتأسف طبعًا، فنحن اليوم نعيش في حالة نزاع، سلالة الإنسان الذي يُفكّر تنقرض يومًا بعد يوم، وسوف يحلّ مكانها الإنسانالآلي الذي سوف يتولّى مهمّةالتفكير عنا.مؤلمٌ أن نتراجع في استخدام عقلنا ومجمل طاقاتنا الفكرية، لكي نستعين بأشياء أخرى من أجل أن تحلّ لنا مشاكلنا. نحن على طريق الانقراض.من يسعى للتفكّر والتأمّل والبحث الجاد سينتهي به الأمر في المتحف، على ما أظن، وقد لا نجد، مستقبلاً، مَن نناقشه أو نحاوره. هذا فعلاً ما يقلقني ويعذّبني. وما يؤلمني بعد أكثر وأكثر، أجده في ما تعرضه بعض البرامج المتلفزة أو تلك التي تُنشر على منصّات وسائل التواصل، في إطار ما يُسمّى بالرأي والرأي الآخر أو الرأي المضاد، معارك محتدمة، عداءات متفجّرة، ألفاظ تخرج عن السيطرة، مشهديات تعنيف جسدي…هذا بالإضافة إلى أن مصطلحات كثيرة تُستخدم في النقاش في غير موضعها وبعيدة عن معناها الأصلي. مثلاً:تُستخدم لفظة إشكالية كمرادفة لكلمة مشكلة، كما تُستخدم كلمة علمانية بمعنى الكفر، أوتُستخدم الديمقراطية بمنأى عن معانيها العميقة. لذلك، هناك خلط في المفاهيم، وفوضى في المعاني، هذا ما يتعبنا ويُغضبنا كمشتغلين بالفلسفة، لأن أهم شيء هو تحديد المفهوم، والتفكير فيه وبأبعاده ونقده أيضًا.

*هل يمكن أن نقول بأن الإنسان خُلق كي يبقى يبحث، وإذا توقف عن البحث يموت، حتى لو ظل حيًا؟

نعم،أوافقك الرأي.تعجبني كلمة «قلّاق». الإنسان كائن قلّاق، أي يسكنه القلق منذ البداية. وهو طفل يقلق عند غياب وجه أمه عنه.تتبدّل بعد ذاك أسباب القلق، لكنه يبقى مرافقاً له في مختلف قراراته وخطواته خلال مشوار حياته.

كيفية التعاطي مع هذا القلق، وكيفية إخماده، وكيفية التخفيف منه ليست بالمهمّة المقلقة بالنسبة لي، بل هي مهمّة مُمتعة،لأنها تجعلكتنشغل بنفسك بدل أن تنشغل بالآخرين، وتنشغل بتطوير ذاتك ومهاراتك، وبالإجابة عن أسئلتك، بدل أن تنشغل بشعارات رنّانة تُطلَق يمينًا ويسارًا، وهي تستقطبُبخاصة جيل الشباب، الأكثر عرضة للضياع.

*ما الذي يعطيكِ الأمان، عندما تَصلين إلى هذه المرحلة وتجدين العالم من حولكِ يعيشون في مجتمع مبني على التقاليد، بينما أنتِ مستمرة في البحث؟ ما الذي يجعلكِ تكملين السير في طريقكِ؟

الأمان، بالمعنى الذي تسألني عنه غير موجود. الأمان الروحي نعم موجود. أنا كائن مؤمن، وأجد الأمان في إيماني وفي روحانيّتي التياشتغل عليها وأسعى إلى تنميتها، على نحوٍ شبه دائم.أمّا بالنسبة إلى الأمان الذي يتعلّق بالمجتمع، فأنا في حالة قلقٍ دائم. أنا في قلق عندما أرى كيف تُدار شؤون الناس وشؤون المؤسّسات، وكيف يُدار الاقتصاد في لبنان، وكيف تُدار المصارف في لبنان، وكيف تُدار مشاكل البيئة في لبنان، وكيف تُدار الموارد البشرية. لا شيء إلا ويدعو إلى القلق.

نحن للأسف متروكون بكلّ ما للكلمة من معنى في مواجهة مصيرنا. عندما ننظر إلى الدول المجاورة أو الدول الأبعد في أوروبا وغيرها، ننتبه كيف يتصرّف المسؤولون تجاه شعوبهم، وبالمقابل كيف نخضع هنا لزعمائنا باسم الطائفية أو باسم الانتماء الحزبي. كيف نغفر لهم، وندافع عنهم، ونغضّ الطرف عن عيوبهم، ونتسامح إلى درجة الغباء معهم.لكننا في النهاية ندفعأثمانًا باهظة نتيجة مواقفنا اللامبالية! غياب حسّ المحاسبة في وطننا هو المقلق لديّ. في أوروبا يخشى المسؤول من الناس إذا خذلهم. أما نحن، فالمسؤول يخذلنا وهو مرتاح، نعم ينام الليل مرتاحاً.نحن لا نخيف المسؤولين عنا، لم نتقن فنّ إخافتهم.تحوّلنا إلى كائنات مجتمعيّة ممسوحة مقموعة، نتصرّف كالقطيع.تخلّينا عن إنسانيتنا وتنكّرناللأصوات التي تصرخ من شدّة الألم. وإن أردنا أن ننتفض فإننا نحسن ذلك في وجه الضعفاء فقط. المظلوم في الغالب لا ينتفض في وجه ظالمه، بل في وجه من هو أضعف منه، لأنه يضمن أنه لن يتجرّأ على مواجهته والرّد عليه.

عندما درّست في قسم الفلسفة، السنة الأولى، مقرّر منهجية البحث، كنت أتعمّد أن أعطي الطلاب نصًا لماركس يقول فيه “الدين أفيون الشعوب” من أجل تحليله ونقده. أذكر أني كنت أعلّق على النصبأنّ الله، مهما عاتبته أو انتقدته أو شتمته لن ينتقم منك، ولن يرسل ملائكته لتخنقك أثناء نومك. أما من يجلس على كرسيّ الزعيم، فإذاانتقدته أو شتمته على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تُحبس، وقد يُدمِّر حياتك لأنك واجهته أو شكّلت خطرًا على بقائه في منصبه. لذلك، أجد أن طلب ماركسصعبٌ جدًا، في أن تنتفض ضد الظالم. لذلك، إن ما طلبه ماركس من التوجّه نحو المطالبة بحقوق الشعب والثورة على الظلم لم يتحقّق كما يجب. وقد رأينا أنه بعد مئة سنة، أين أصبح الظلم؟ وأين أصبحت الطبقية؟ وكم ازداد عدد فقراء العالم؟ وما هو وضع عمال العالم؟ أين هي النقابات؟ لماذا خفت صوتها؟ لقد تمّ التعامل مع العمال والمظلومين بسياسة الإخضاع والتهديد بلقمة عيشهم،فتمّ إقناعهم بالرضوخإلى الشروط المفروضة عليهم والقبول بوضعهم الحالي.

*هل من جدوى بعد، برأيكِ، اليوم، من استمرار الحوار بين الرأي والرأي الآخر؟ وهل من الممكن الوصول إلى نتيجة من هكذا حوار؟ وما رأيكِ في الحوار بين الأديان؟

سؤالكِ جميل، ويحزنني أن من بين الناس من لا يُمكنكِ محاورتهم، لأنهممؤدلجون. ولكن، في الوقت عينه، هنالك مَن ما زال في حالة قلق أو في حالة خوف من أن يُعبّر عن قلقه، هؤلاء بإمكاننا التحاور معهم والوصول إلى نتائج تقرّب المسافات بيننا وبينهم. تجدون أشخاصاً لديهم فكرة خاطئة عنكم، لكن تشعرون بأنه يمكنكم النقاش معهم ومحاورتهم، لأن لديهم قلقاً حقيقياً ورغبة في الوصول إلى خيطٍ يقودهم نحو الحقيقة.

أماالمؤدلجون، فمن الأفضل عدم هدر الوقت معهم. لدينا مثلاً، طاولات الحوار العقائدي بين الأديان، حيث ما من أحد مستعد أن يخوض النقاش الجوهري فيه. أما الحوار بخصوص قضايا البيئة أو الأعمال التنمويةالتي تحسّن وضع المجتمع فمن شأنه أن يوفّر قاعدة متينة للتقارب بين المختلفين. الحوار الديني صعب جدًا. إنه أكبر مسرحية حصلت وتحصل للأسف، من أجله تمّرصد الأموال لعقد اللقاءات والمؤتمرات من دون جدوى تذكر. الدين يُستغل في كثير من الأحوال في “تجييش” الجماهير واللعب على الغريزة من خلال الخطاب الطائفي وما يسمّى بالخطاب المتديّن.

عندي الكثير لأقوله حول الطائفية والدين. الدين شيء والطائفية شيء آخر. الدين روحاني وعميق يرفعك من محدوديتك ومن وجعك ومن نظرتك الجاهلة لكثير من الأمور، ويضعك في مكان آخر، فلماذا نحرمأنفسنا من هذه القوة وهذا الجمال وهذا التحليق في رحاب المطلق؟ لماذا نريد أن نبقى متقوقعين فيما يُسمّى بالملموس والمحسوس والمحدود فقط؟بخاصة إذا كان الإنسان لديه رغبة في الخروج من الأطر الضيّقة والتحليق في ما هو أرحب وأوسع.

غالباً ما نربط مشاكلنا ومشاكل البلد الطائفية بالدين، فتصبح مآخذنا على الاستغلال الطائفي الذي يمارَس في بلدنا سببًا في ثورتنا على الدين. هناك حديث للنبي يقول فيه ما مفاده: إذا شرب أحد الأشخاص ماءً وتشردق فيه، هل نمنع الناس من شرب الماء؟ إذا تطرّف أربعة أو خمسة ملايين من هذه المليارات التي تسكن المعمورة في دينهم واستخدموه ليقتلوا غيرهم، هل يصبح الدين هو مَكمن الخطأ أم أن استخدام الدين في السياسة هو الذي أدّى إلى الخراب المنتشر من حولنا. هذا ما أسعى إلى أن أقوله باختصارحول الدين والفكر الديني، وحول التجربة الروحية، أمام كثير من الناس الذين ابتعدواعن الدين والإيمان بسبب قرفهم من خطابات رجال الدين أو مسلكيّات السياسيين.

*كيف ننقل الفلسفة من برجها الأكاديمي لتصبح أداةً عمليةً يستخدمها المواطن في حياته اليومية وفي نقد مسلّماته؟

ما يقلقني، وأضعه بمستوىالجريمة بحقّ الفلسفة والإنسان معاً، هو أن تبقىسجينة تستلقي في المكتبات أو حاضرة بخجل ضمن قاعات مقفلة في المؤتمرات أو ضمن حلقات الندوات الفكرية التي يتابعها قليلٌ من المهتمّين. ما السبيل الناجع من أجل إيصال الفلسفة والفكر النقديّ إلى الناس؟ هذا هاجسٌ لديّ، وهذا ما تحاول “مؤسّسة تكوين الفكر العربي” وغيرها من المراكز البحثيّة أن تقوم به. وكذلك هذا هو همّ”الحركة الثقافية”، أنطلياس، ومعظم النوادي الثقافية الأخرى.إنها تستقبل جميع الناس لمتابعة محاضراتها، وتقدّم للعامة وليس فقط للنخب فرصة اللقاء مع الباحثين والمفكرين. إنهامحاولة اللقاءبالناس والتفاعل مع همومهم ومشاكلهم وقلقهم وأسئلتهم. تُحاول هذه المراكز أن تُنزل الفلسفة من برجها، لكي تقتربمن الشارع حيث يجب أن تكون مع الناس، كما فعل سقراط، وليس فقط في أروقة الجامعات الكبرى.

ما الذي يجب أن نفعله؟ ليس لدي وصفة سحرية. لديّ قناعات أحاول أن أمارسها من خلال “مؤسّسة تكوين”، ومن خلال “الحركة الثقافية”،كما من خلال حواراتي مع الطلاب في الجامعة أو خارجها. للأسف، إنّ ما كان يُسمّى بـ “المقهى الفلسفيّ” الذي انتشر في فرنسا وأسهم في ثورة الطلاب في أيار ١٩٦٨ حيث كانوا يجلسون مع الأساتذة في المقاهي ويتناقشون في مشاكلهم، وفي مدى إمكانية حلّها، إن هذا الصنف من المقاهي أسهم إلى حدّ بعيد في أنتحقّق تلك الثورة أهدافها.

مؤسفٌ أنه لم يعد لدينا اليوم في الجامعة اللبنانية لقاءات نشطة في المقهى داخل الحرم الجامعي، حيث كان يمكن توفير مساحة حرّة للتعبير والنقاش والتساؤل، بعيداً عن أصحاب السلطة والنفوذ، إلى أيّ جهة انتموا.وهنا لا بدّ من السؤال عن دور البلديات وقاعاتها الفارغة؟ لمَ لا تخصّص مرّة أو مرّتين في الشهر لقاءات تستجيب لحاجات الشباب الفكرية والنفسية والمعرفية؟لمَ لا تستضيف مفكّرين ومفكّرات وتناقش معهم أمورًا عديدة، من الديمقراطية إلى العلمنة، إلى الحرية، إلى أمورٍ حياتية أخرى تعبِّر عن قلق أبناء هذا الجيل ومشاكلهم والأزمات التي يعيشونها في مجتمعهم، وصولاً إلى موضوع الذكاء الاصطناعي وغيره؟ هذا النوع من الأنشطة لا أعتقد أنه يشكّل عبئًا ماديًّا على البلدية مهما كانت مواردها محدودة.

الاقتراحات العملية التي أقدّمها تصبُّ أيضاً في اتجاه التشبيك بين الناس والمجموعات الذين يحملون همّ الإنسان في هذا البلد. أيّ جمعية أو مجموعة أفراد، من أيّ شريحة عمريّة، أو أيّ شريحة مجتمعيّة لديها همّ الإنسان وهمّ الاشتغال على الإنسان للإسهام في تطوير مواطن متكامل، يمكنها أن تشجّع وتنمّي، بشكلٍ أو بآخر، هذا العمل. الحركة الثقافية، وتيار المجتمع المدني، والنادي الثقافي العربي، ومجلس لبنان الجنوبي، والرابطة الثقافية في طرابلس، وغيرها الكثير…، مجموعات لديها تاريخها، لمَ لا تعمل بشكل مشترك عن طريق تشبيك الجهود والإمكانات المتوفّرة لديها؟

*هل تعتبرين أن مواقع التواصل الاجتماعي، رغم سلبيّاتها، قد لعبت دورًا إيجابيًا في وصول المعلومة والأفكار على تنوعها لكثير من الشبان والشابات الصغار الموجودين في قرى بعيدة عن بيروت، وجعلتهم يفكرون أكثر في المسائل الفكرية والسياسية؟

لا شكّ في أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت بشكلٍ واضح وكبير في نقل المعلومة بسرعة فائقة، وفي إلغاء المسافات الفاصلة بين المناطق الجغرافية المتباعدة، كما في إيصال معاناة أيّ كان إلى أكبر عدد من المتابعين. اكتشفتُ، في زمن الكورونا، كم إنّ الحدود ساقطة بين الدول. شاركتُ في مؤتمرات في ألمانيا من دون سفر، وتواصلنا مع أساتذة ألمان وإنجليز ومع غيرهم في دول أخرى عبر تطبيقات متاحة على الانترنت.لقد قرّبت هذه الوسائل المسافات، وأوصلت الفكر إلى عقر كلّ دار، فعلينا أن نستفيد من ذلك.

لكن، في الوقت عينه، تجدر الإشارة إلى أن استقطاب المشاهدات على وسائل التواصل الاجتماعي لا يأخذ بالاعتبار جودة المحتوى الذي يتمّ تقديمه، ولا عمقه، ولا الإفادة التي يمكن أن يحصل عليها المتابعون. ليس كلّ ما يُنشر ويتمّ بثّه في نفس القيمة والمستوى، لا أخلاقيّاً ولا معرفيّاً ولا علميّاً. هناك غزو حقيقي لوعي المتلقّي من قبل بعض “النجوم” على وسائل التواصل الاجتماعي، وأرقام المتابعين باتت خياليّة. كيفية صناعة النجوميّة ومرتكزاتها من الضروري أن تخضع للدرس والنقد وإعادة التقييم.إنّ وضعَ شخصٍ ما فيديوهات طبخ مثلاً تلفت النظر وتثير شهيّة الطعام،نجده يستقطب عشراتالملايين من المتابعينالعرب والأجانب. أمامن ينشر محتوىلأي شاعر معروف أو مفكر مرموق،فلايتخطّى متابعوه بضعَ مئات أو آلاففي أفضل الحالات.

تجدر الملاحظة في هذا السياق إلى أنه لا يمكننا أن نتغاضى عنالخدمة الكبيرة التي أدّتها وسائل التواصل الاجتماعي، وعلينا أن نعي أهمية هذه الخدمة ونعرف كيف نستفيد منها، لأنها فعلاً تشكّل حاليّاً أبرز ما تبقّى لنا للإسهام في الاشتغال على أنفسناوالخروج من عزلتنا في هذا الزمن المأزوم. الكم الهائل من المعلومات التي كان على الباحث سابقاً أن يبذل الغالي والرخيص للحصول عليها، يمكنه أن يجدها متوفّرة أمامه على الشاشة. بإمكانه التدقيق فيها، والتمييز في ما بينها، واعتماد ما يراه أقرب إلى المنطق والموضوعية.

*تطبيقًا لمفهوم أركون حول “المستحيل التفكير فيه”؛ ما هو التابو المحدد الذي يمنعنا اليوم من العبور نحو دولة حديثة تحترم الفرد؟

تكلّم محمد أركون عن “المستحيل التفكير فيه” ضمن ثلاثة مفاهيم استوحاها من ميشال فوكو، وهي: “اللا مُفكَّر فيه، المُفكَّر فيه، والمستحيل التفكير فيه”. فالمفكّر فيه هو بكل بساطة ما يتمّ تداوله بين البشر في حقبة معيّنة ومنطقة محدّدة من دون أن يواجه مشاكل تُذكر.ولتبسيط التفريق بين “اللامفكر فيه” و”المستحيل التفكير فيه”،  أعطي المثلين الآتيين:

بخصوص “اللا مفكّر فيه”: لا يمكنني، على سبيل المثال، لوم أي فيلسوف عاش في العام 1950، إذا لم يُفكّر بموضوع الذكاء الاصطناعي وخطره على الإنسان وعلى الوظائف في المجتمع، لأن هذا الموضوع لم يكن موجودًا أصلاً، أي كانخارج إطار ما هو مطروح للتفكير فيه. كما أن هناك موضوعات تبقى في إطار اللا مفكر فيه إما بسبب عدم الاهتمام بها بشكلٍ غير متعمّد، لأن الناس منشغلون بهمومٍ أخرى، وإما لأن التطوّر العلمي والتقني والمعرفي لم يبلغ بعد مرحلةً تسمحبطرح هكذا موضوعات.

بخصوص “المستحيل التفكير فيه”، الأمر مختلف. هنا يصبح الأمر أكثر خطورة لأن لدينا سلطة معيّنة، دينيّة أم سياسيّة، أم غير ذلك، تتدخّل لكي تمنع التفكير بموضوعات محدّدة، وطرحها على بساط البحث. فالضغط والترهيب يبقى مستمرّاً حتى يدخل في عمق الوعي، فيصبح لدينا نوع من الـ “censor”يراقب الفكرة من الداخل قبل أن تخرج إلى العلن لكي تخضع لرقابة أخرى أشدّ قساوة. هذا الأمر وضعه أركون في خانة الفكر المحظور وكلّ من يتجرّأ فيقترب منه أو يطرحه في العلن، تنتظره عواقب وخيمة.

بالعودة إلى سؤالك، وربط “المستحيل التفكير فيه” بالوضع اللبناني، يمكن التوقّف عند إشكاليّة الهويّة والانتماء. معظمنا لم نشعر في يوم من الأيام، منذ تكوّن هذا البلد، أننا ننتمي إليه. نحن ننتمي إلى الطائفة التي لجأت هربًا من اضطهاد ما، إلى هذا البلد. لذلك، بتنا كلّنا، أو معظمنا، نحتمي بمظلّة الطائفة لأنها قامت بالدفاع عن أبنائهامنذ هربهم من البلد الذي كانوا فيه إلى لبنان.

الموارنة كما الشيعة كما الدروز والأرمن والسريان وغيرهم جاؤوا إلى هنا تحت وطأة الاضطهاد والسعي إلى مكان آمن بعيد عن سفك الدماء. معظمنا، لولا انتماؤنا الطائفي، لما كنا قد التقينا في لبنان، حيث وجد أجدادُنا، بطريقة أو بأخرى، ملاذًا شبه آمن، وفرصةً للعيش بحرية. جئنا وشكّلنا “خلطة شعوب” من المضطهدين. إن هذه “الخلطة”، وبعد أن مضى على وجودها في “لبنان الكبير” مئة سنة، لم تتمكّن بعد من تأسيس دولة! والسؤال الأكثر إيلامًا هنا: ألا تكفي مئة عامٍ من الزمن لكي يتوصّل المقيمون معًا إلى وضع عقدٍ اجتماعيّ سياسيّ يضمن لهم وجودهم الحر وحقوقهم، فيحترمونه، ويعملون على تطبيقه ومن ثمّ تطويره، كلّما اقتضت الحاجة؟

للأسف، إن مرور قرنٍ ونيّف من الفشل، كفيلٌ في أن يبرهن على عُطلٍ عميقٍ قد أصاب الدولة والمجموعة التي تشغّلها وترعاها. هذا ما يدعو فعلاً إلى الاعتراف بهذا القصوروإثباته والاستعجال في السعي إلى الخروج منه.

أجد نفسي من الناس الذين يقولون بأننا “فشلنا فشلاً مبينًا في صناعة بلد كباقي البلدان الحضارية”. وجميعنا قد فشل من دون استثناء!

مَن نجحَ قد يكون فقط هذا الذي قام بإنشاء ما يُسمّى بـ “كانتون”. ستسألونني إن كنتُ أتحدث عنالفدرالية؟ أجيبكم لا! أنا أحاول فقط قراءة حالة الخيبة التي نمرّ بها! فبعدما قرأت التاريخ الحديث للبلد، وعشت بداية الحرب وأنا في التاسعة من العمر، وجدتُ نفسي وأنا في حال من الهروب والخوف الدائمين. ما زلت شخصًا يهرب، ويخاف، ويسأل لماذا هذا الموت كلّه مِن حولنا؟ ولماذا “اخترب بيتنا وقت الحرب”؟ ولماذا ترك أهلي أشغالهم؟ … ولماذا كلّ هذا العذاب؟ لماذا يموت كلّ هؤلاء الناس من مقاتلين ومدنيّين؟ حتى اليوم لم أجد جوابًا شافيًا.

أذكر جيّدًا أن كلّ إذاعات القوى والأحزاب اللبنانية، أثناء الحرب، كانت تنادي بلبنان السيّد الحرّ المستقل، الكل كان يستخدم نفس الشعار! ناهيك عما شهده البلد من قوى تغييرية خلال ما بات يُعرفبثورة تشرين من العام 2019. إلى ما أفضى كلّ ذلك؟

كلّ ما تمّت المناداة به من شعارات في زمن الحرب وبعده، نلحظ أن عكسه هو الذي تحقّق. لا داعي هنا لاستعادة هذه الشعارات المجيّشة للجماهير والتدقيق في تحقّقها أم لا. لقد برهنّا كم أننا فاشلون! لم أعد أنا شخصيًا أعتقد أن لدينا دولة قائمة تفرض هيبتها، لأنه يبدو وكأنّ القيّمين على الدولة لا يريدونها أن تركب! وقّعوا على اتفاقية الطائف مثلاً كي لا يُطبّقوها، وكذلك حصل معغيرها من الاتفاقيّات، وكأنهم ركّبُوا الدستور أصلاً كي لا يطبِّقوه. تبرمُ الاتفاقيّات وتُسنٌّ القوانين لكي تبقى في الأرشيف، نتغنّى بها، فنظنّ أنفسنا بأننا قد بنينادولة حديثة على الورق، تواكب تطورات العصر. نجد أن الدولة نفسها تضع القانون لكي لا تطبّقه هي، ولدينا قوانين عدّة كمثال على ذلك، بقيت فعلاً حبراً على ورق. فالمؤسّسات الرسميّة التي من المفترض أن تكون قدوة في تطبيق القوانين، هي نفسها تتجاهل القانون الذي قامت على أساسه. فما الذي يمكن أن ننتظره منهابعد؟يكفي أن نتذكّر ما حصل في جريمتَي مرفأ بيروت ونهب الودائع، لكي نفهم إلى أيّ حدّ وصل التدهور عندنا. جريمتان موصوفتان بهذا الحجم بحقّ الناس، ولا بصيص أمل حتى الآن في محاكمة المسؤول والاقتصاص منه!

طالما هنالك مدارس طائفية في البلد، كلّ منها يُنادي على ليلاه، لن يصبح لدينا بلد. طالما ليس لدينا منهج موحّد لتدريس التاريخ، لن يصبح لدينا بلد. طالما بقينا ضعفاء منقسمين ومشتّتين لدينا “جارتان” أقوى منا، واحدة بالمساحة، وأخرى بالدعم العالمي، لن يصبح لدينا بلد، لأننا سنجد أنفسنا نقع في محاولات دائمة لإرضاء الأولى أو الثانية أوالاثنتينمعًا. فالخوف من ابتلاع البلد والسيطرة عليه ليس وهمًا. تجدر الإشارة هنا إلى أن كيفيّة العمل على حماية أمن البلد وحدوده وشعبه هي التي تطرح المشكل الأكبر والأكثر استعصاءً على التحقّق، وسط كلّ الانقسامات وأحكام التخوين والتجريم التي تُطلَق من هنا وهناك.

لن أترك نفسي أقع في اليأس المُحكم، لكن لا يمكنني، في الوقت عينه، أن أغضّ النظر عمّا يحدث من حولي. تيقّنتُ أنّ الانتماء الوطني مفقود، إلا في القصائد والتغنّي بطبيعة لبنان (النبع والأنهار والشجر والأرزة…). لو كان لديناأناسٌ وطنيّون حقيقةً، كما يقولون،وأوفياء للبنان السيد الحر المستقل، لما تمّ احتلال البلد من أكثر من دولة في الوقت نفسه. لم يعد لدينا وطن إلا على الورق وفي المحافل الدوليّة. لدينا بقعة أرض يقطنها أناس تزلّم معظمهم لآخرين. وللأسف، إنهم يضعون مصالحهم الخاصة كأولوية على مصالح العامة. بالمحصّلة، ليست لدينا غيرة كافية على وطننا وعلى أجيالنا.

هناك دراسات حديثة تصدر من وقت إلى آخر تفيد كم أن عدد الشبّان الذين يغادرون البلد بهدف الهجرة كبير جدًا بالنسبة إلى عدد سكان لبنان الإجمالي. إننا نشهد عمليّة تفريغ متعمّدة تنذر بخطرٍ شديد. إنه أمرٌ مؤسفٌ، ومؤلمٌ، ويحرق القلب! كلّ تلميذ اختار أن يدرس، على سبيل المثال في الجامعة اللبنانية، يُكلف ثقله لكي يتخصّص فيالهندسة أو الطب أو المحاماة أو غيرها من الاختصاصات. ومن ثم،وبعدأن ييأس من الحصول على فرصة للعيش الكريم تليق به وبشهادته،نجده يُوقّع عقدًا خارج لبنان ويُهاجر.

باختصار، أكرّر، لا مشكل عندي مع أيّ طائفة كطائفة، ولا ضد الدين كدين، ولا شيء ضد الدستور كدستور. المشكل يكمن مع من ليس مخلصًالوطنه، ومن لا يعتبره مساحة مشتركة تجمعه مع الآخر المختلف، ومع من لا يعتبر أن مصلحة الجميع هي الأهم وهي الأولوية، ومع من يستخدم الناس كوسيلة للضغط من أجل تحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب الخاصة. هذه كلّها مشاكل برهنت على قدرتها على شلّ عمل الدولة والمؤسّسات،فأدّت إلى الفوضى والخراب اللذين يحيطان بنا.

*هل يمكن بناء دولة دون سردية تاريخية واحدة تجمع أبناءها على الأقل من خلال كتاب تاريخ موحّد؟ وما خطورة الهروب المتعمّد من مواجهة أخطاء الماضي وعدم المحاسبة عليها؟

بالنسبة لفقدان الذاكرة المتعمّد أو النسيان الممنهج، يجب أن نسأل أنفسنا في لبنان، من استلم السلطة بعد اتفاقية الطائف؟ هل يُعقل للمجرم أن يعاقب نفسه؟ طبعًا لا، سوف يُبرِّئ نفسه. دائمًا التاريخ يكتبه المنتصرون والأقوياء، ويُظهِّرون الصورة التي يريدونها عن أنفسهم:إنهم الأبطال والأبرياء والمظلومون. لذلك، إنّ ما حدث بعد اتفاقية الطائف، وللأسف، جعل من الأداة التي تحكم البلد هي أداة تسعى وراء الهروب من أي استحقاق، شعارها الأبرز: “عفا الله عمّا مضى”، و”لنفتح صفحة جديدة”، بخاصة وأن الشعب اللبناني كشعب لم يعتد على المحاسبة. لا نحاسبنائبًا، ولا نبدّل وزيرًا، ولا نحاكم مسؤولاً، إلا في حالات نادرة واستثنائيّة. لماذا؟ لأن الغطاء الحامي والضامن للمرتكبين مؤمّن وهو متوفّر من داخل المنظومة الحاكمة.

ليست لدينا ثقافة المحاسبة، عندنا ثقافة “النكايات”. نُحاسب النائب إن لميأتِ إلى عزاء، أو لم يُسدِ لنا خدمة خاصة طلبناها منه، أو إن لم يلغِ لنا مخالفة قد اقترفناها. عندها فقط نحاسبه وبشدة! ليس لدينا معيار أو مقياس للمحاسبةينتمي إلى معايير وطنية. نحن نحاسب انطلاقًا من حسابات ضيّقة جدًا، ومبنيّة على الجهل، والكيدية. نحن، بكل بساطة، نُتقن الكيدية ولا نتقن المحاسبة.

والأخطر من ذلك، أنه في كلّ يوم تظهر فيه فضيحة في لبنان، فإنها تمرُّ على مسامعنا بشكلٍ طبيعي مألوف، وكأن الخبر من المسلّمات التي لا بدّ منها. أصبح لدينا نوع من التأقلم مع قراءة الفضائح ولا شيء يستفزّنا فيها. هي تمرّ، ونطوي الصفحة، ثم نكمل طريقنا. حتىإنّ كثيرًا من الناس، إن شاهدوا المسؤول الفاسد صاحب الفضيحة، يهرعون لأخذ صورة معه باعتباره شخصية اجتماعية معروفة!

هذا التصرّف أصبح جزءاً من شخصيّتنا العامّة، وهو أمرٌ مؤسفٌ حقاً. أحاول من خلال أيّ محاضرة أوأيّ عملٍ أقوم به مع طلابي أن أطرحه للنقاش، وأطلب منهمألا يستسلموا وأن يحاولوا دائمًا التحرّك للمطالبة بحقوقهم، والقيام بمراجعة نقدية لما جرى. فلا يجوز أن نبقى مُخدّرين، غير قادرين على المطالبةبمحاسبة من يستبيح حقوقنا.

مؤسف هو غياب المحاسبة، وترك الأمور طيّ النسيان المُمنهج، هذا ما يجوز تسميته بالجريمة الكبرى. الإنسان بطبعه كائن نَسّاء. النسيان يجب أن يُفعّل في الأحداث المؤلمة التي تستنفدنا من الداخل، مثل الحزن،أو الفشل، أو عندخسارة الأعزاء.من الأفضل أن يكون النسيان في هذه الحالات دافعًا لنا لكي نتمكّن من إكمال مسيرنا. أما في السياسة، فالمفروض ألّا ننسى، وأن نحاسب.

اليوم،حسب ما بات معلومًا، مادة التاريخ أصبحت اختيارية. هذا التهميش للتاريخ كيف يمكن السكوت عنه؟ ما هي غايته؟ ما الخير الذي يمكن أن يحصده الطالب انطلاقًا من هذه السياسة التربوية؟ هذا كلّه ممنهج لكي لا تكون لنا ذاكرةٌ واحدة. لكي لا يكون لنا انتماءٌ واحد. لكي لا نكشف عورة زعمائنا. فكلّ واحد يُظهّر صورة طوباوية عن نفسه. الجميع تلوّثت أيديهم بالدماء، وبالتالي، هناك دائمًا ظالمٌ ومظلوم. وبما أن الكلّقد مارسوا الظلم، فهذا يعني أيضًا أن الكلّمظلومون. كيف يمكنني إذاً أن أعرض صيغةً تاريخيّة محدّدة أظهر من خلالها وجع الجميع كما هو في الواقع الموضوعيّ؟ هنا تكمن اللعبة الكبيرة، وهنا يأتي دور الناس. يجب أن يكون لدينا إيقاظ لما جرى فيالتاريخ، والعمل على إيقاظ الوعي التاريخي فينا، انطلاقًا من مؤسّسات رديفة تتدخّل عند تقصير الدولة في دورها.

من جهتي، أعتز بصداقتي مع الدكتور عصام خليفة، فهو أينما ذهب يُنادي بهذه الأمور ويطرحها للنقاش.يحاول أن يفضح الممارسات الخاطئة، ويعرض وثائقيبيّن من خلالها تاريخيّة الأحداث. من هنا، يمكن أن نكون أساتذة تاريخ “من خارج المنهج”، لأنّ المنهج يعاني من شوائب عدّة سوف تؤدّي إلى الفشل الذريع!

بالعودة إلى سؤالك، حول الهروب من أخطاء الماضي، يحضرني ما تحدّث عنه محمد أركون بخصوص “المثلّث الأنتروبولوجي”، لكي أتوقّف سريعاً عند عملية ارتكاب الأخطاء واستخدام العنف عبر تاريخ المجتمعات البشرية.

“المثلث الأنثروبولوجي Le triangle anthropologique ” يتألّف من ثلاثة أركان: العنف، المقدس، الحقيقة. يقول أركون بأن هذا المثلّثحاضر عند مختلف الشعوب، ومعظم الطوائف، كما أنه حاضر عند الأحزاب، دينيّة كانت أم علمانيّة لها عقيدة سياسيّة تؤمن بها.

يربط أركون بين هذه المفاهيمالثلاثة ليقرأ العنف في المجتمع ويفهمه فيه.يعتبر أنه في كلّ مرة، وفي أيّ مجتمعٍ كان، عندما تُرفع حقيقة ما إلى مقام المقدّس، ويتمّ تهديد هذه الحقيقة أو أنها تتعرّض للخطر، عندها تُستباح من أجل هذه الحقيقة كلّ الأعراض، وتُسفك من أجلها الدماء،فيُستخدم العنف من دون تردّد،سواءأكانت هذهالحقيقة عقائدية دينية أو غير دينية. فمن يتجرّأ أن يتطاول عليها، سوف يُضطهد بالتأكيد،ويُبرَّر اضطهاده لكونه قد مسّ بالمقدّس بنظر السلطة السياسيّة أو السلطة الدينية الحاكمة. لذلك، الجميع مُتورّط، للأسف، وآنالأوان لنعترف بهذا الواقع المرير، ولكي نتراجع في ما بعد عن أخطائنا، ونسعى إلى إصلاحها، إن أمكن.

خاضت أوروبا حربًا عالمية ضروساً، وما زال الأوروبيون يُذكّرون بعضهم بعضًا بها حتى اليوم، في كلّ مناسبة، كي لا يعيدوا الكرّة. أما نحن فلا نتذكر.. في 13 نيسان نقول “تنذكر ت ما تنعاد”، عدا عن ذلك فنحن لا نقوم بخطوة عمليّة تمنع إعادة الكرّة بعد مرّة.

العقيدة هي حقيقة يجب أن تقبلها من دون نقاش، أكانت في المجتمع أم في السياسة أم في التربية. أيّ أنها تعبّر عن حقيقة مثبتة لا يجوز الاقتراب منها!العقائد الدينيةلا تشكّل خطرًا طالما أنها محصورة بالإيمان الشخصيّ، وهذا بين المؤمن وربّه. أما إذا فُرضت بالقوة، وأُريدَلها أن يصبح الناس جميعًا مؤمنين بها بقوّة الترهيب، فهذا مرفوض. وأكثر ما يقلقني تلك العقائد الراسخة في التفكير الاجتماعيّ والاقتصاديّ وبخاصة السياسيّ،لأنها تُجنّد شبابنا وترسلهم إلى الموت من أجل أن تضغط في مفاوضات ما، أو لتحصيل عدد مكتسبات أكبر، وذلك عن طريق ربطها بالمقدّس في حالات عدّة.

ما من قضيّة سياسيّة أهمّ من الإنسان، حتى الأرض ليست أهم من الإنسان، لأنه إذا فقدنا الأرض يمكن لنا استرجاعها،أما الإنسان فإن فقدناه، عندها تكون الخسارة الكبرى.تزخر الشاشات كلّ مساء بأخبار شباب قتلوا وآخرين هاجروا ورحلوا إلى غير عودة بحثًا عن فرصة للعيش كما البشر الآخرين. تتعدّد أوجه المأساة، والضحية واحدة، الإنسان الضعيف والأعزل والمضلّل.

كلّ هذا التنكيل بالإنسان بات لا يُحتمل. الضعفاء يدفعون ثمنَ صفقات الأقوياء. إنهم الوقود الذي من دونه لا تسير عجلة العنف في العالم.

*ما رأيكِ بالعلمانية كنظام حكم، وفي تطبيقها في حياة الأشخاص؟

العلمانيّة مفهوم حاز على الكثير من الأخذ والرّد في الفكر العربي المعاصر. بين من هم من دعاتها، ومن يرون فيها خطرًا محدقًا بالدين والمجتمع على حدّ سواء. من جهتي، كنت من دعاة العلمانية المنفتحة التي لا تحصر نفسها بتحديدٍ خاصٍ معيّن يرفض إعطاء الإيمان والتجربة الروحيّة المكان الذي يستحقانه في عمق الكينونة البشرية. أما اليوم، وسط كل الصخب الذي يحيط بنا، ضاعت الرؤية الواضحة من أمامي، لأني لم أعد أثق بالدولة التي سوف ترعى شعبها وفق نظامٍ علمانيّ يضمن حقوق الأقليّات.

أودّ الإشارة هنا إلى أن محمد عابد الجابري كان قد أدرك أن كلمة علمانية في وسط المجتمع الإسلاميّ لن تمرّ بسلام، لذافضّل استخداممصطلح الديمقراطية كبديلٍ عنها. من جهته، محمد أركون حاول التركيز على تقديم تعريف مقبول للعلمانية. إنها بالنسبة إليه”موقفٌ منفتحٌ للروح تجاه مشكل المعرفة”. أراد من خلال ذلك أن يرفض كلّ تقوقع داخل نظام فكريّ ضيّق، وفتح المجال أمام علمانيّة منفتحة على الإيمان، بدلاً من استبعاد الرأي المختلف ورشقه بأبشع التّهم. شدّد على أنه عندما لا يكون هناك حدودٌ للمعرفة، أو سقف ضيّق يضغط على فعل التعقّل، يمكن أن تنبني مداميك العلمانيّة وتترسّخ على نحوٍ إنسانيّ منفتح. بالنسبة إلى محمد أركون، ليس بالضرورة أن يكون العلماني شخصًا ملحدًا. يمكن أن يكون مؤمنًا، ولكن، لديه مساحة واسعة لتقبُّل الآخر أيّاً تكن ركائزه المعرفية أو الإيمانية أو الدينية. من جهتي، أتبنى هذا التعريف، وأعتمده،فالعلمانية موقف منفتح للروح تجاه مشكل المعرفة.

بالنسبة إلى لبنان، لا الديمقراطية ولا العلمانية يمكنهما أن تفعلا ما هو مطلوب، لعدّة أسباب أبرزها سوء فهمهما وعدم التمكّن من تطبيقهما. أعتقد أنه منالأفضّل استخدام كلمة أنسنة… الأنسنة في مجال سنّ القوانين وتطبيقها، الأنسنةفي إطار التربية، والأنسنة في عالم السياسة. المقصود، أنسنة المجتمع بمجمله، كما أنسنة التعاطي مع البيئة… فلنتكلم عن الإنسان، ولنسعى إلى حماية حقوقه وتأمين المدى الواسع لتفتّح مختلف أبعاده الفكرية.

يتحدّث المفكر العراقي المعاصر عبد الجبار الرفاعي عن الدين والإنسان، فيقول بما معناه: إذا تعارض الدين مع كرامة الإنسان، فلا أريد الدين. كرامة الإنسان هي الأساس. الله لايقبل ألا تصان كرامة الإنسان، فالإنسان هو من روح ربه. فيه نفحة من روح الله. عطفًا على ما شدّد عليه الرفاعي،نراهن اليوم على الإنسان وعلى الأنسنة. ونراهن على إمكانية تحرير التفكير الإنساني، والتعاطي مع الإنسان بإنسانية، من خلال احترامِ كاملِ حقوقه وكرامته.

نلحظ أن في إندونيسيا مثلاً، وهي أكبر دولة إسلامية في العالم، هناكدولة علمانية وديمقراطية، من دون التضييق باسمالدين. هذا نموذج يمكن أن يُحتذى.  لماذا نرى مشكلاً في أن يكون هناك أناسٌمؤمنونومتديّنونيعيشون ضمن نظامٍ مدنيّ يحترم حقّ الاختلاف والتعدّد؟

للأسف، نجد أن خطاب الكراهية يتصاعد من حولنا وهو يطلق أحكامًا قاسية في حقّ العلمانيّة وضدّ الغرب الآتية منه.

*بحديثنا عن العلمانية، هل اطلعتِ على فكر المطران غريغوار حداد الذي نادى بالعلمانية؟ وما رأيكِ بالمطران حداد؟

كنت بالطبع من متابعي المطران غريغوار حدّاد. وكنت متعاطفة جدًا معه عندما تعرّض للاعتداء أمام قناة “تيلي لوميير”. أقدّر تجربة هذا الإنسان الملتزم بالإيمان والإنسان.إنه شخصيّة مميّزة، نادرًا ما نجد مثلها. شخصيّة غير منفصمة، عاش الإيمان، وعاش فكرهُ، ووضع الإنسان في المقام الأول من دون التوقّف عند انتماءاته الضيّقة.

هل ما فعله كان مثمرًا؟ الأيام ستجيب عن هذا السؤال. بالنسبة إليّ، ولغاية الآن، يمكن القول إن عمله كان مثمراً إلى حدّ ما، ولكن ليس بالقدر الذي كان يريده، لأن عدوّه أكبر منه، وأقوى منه. وعدوّه مُتمكّن في السلطة. حتى إنّ كنيسته اضطهدته في مرحلة من المراحل، وسحبت منه سلطته، هو الذي لاقت أفكاره رواجًا كبيرًا في أوساط شبابيّة معيّنة في ذاك الزمان.

أقدّرجداً في هذا السياق النشاط الذي ما زلتم مستمرّين فيه إلى اليوم، كتيّار مجتمع مدنيّ، تكملة لمسيرة المطران غريغوار حدّاد. هذا ما يمكن أن يُعزّيه بعد رحيله. نجد أنّ منيعمل في تيّار المجتمع المدنيّأناسًا ليسوا فقط مسيحيين، كما أنهم ليسوا فقط كبارًا في العمر، إنهم شباب ما زالوا حتى اليوم مستمرّين في سعيهم ونشاطهم من أجل الإنسان في لبنان.

في النهاية، لا يجب أن نحمّل غريغوار حداد أكثر مما يحتمل، دوره قام به وزيادة. إنه رجل دين في النهاية، قال كلمته ومشى. وإذا كان كلّ واحد منا، من موقعه، يقول كلمته بصدق، ويسعى إلى العيش انسجامًا مع معتقده، فهذا أمر مهمٌّ جدًا، يمكنه أن يفيدالمجتمع.

كلّ التقدير، وكلّ الاحترام، وكلّ المحبة، وكلّ الإعجاب بغريغوار حداد، الشخصية التي اخترقت الحواجز المذهبية أثناء الحرب، فكسرت متاريس الخوف من الآخر ومن تابوهات مجتمعنا.

أنا شخصيًا عشت في الحرب، وكنت أخاف من الآخر المتمترس في الجهة المقابلة، يقاتل من أجل إلغاء من هم على الضدّ منه. الفلسفة ساعدتني على أن أتحرر من هذا التابو، ولاحقًا، دراستي للفكر الإسلاميّ. فالمعرفة وسيلة تسمح بتخطّي الخوف المبنيّ على جهل الآخر. وهذا ما فعله غريغوار حداد، حين كسر في أيام الحرب حاجز خوف المسيحيين من المسلمين، وخوف المسلمين من المسيحيين. هذا بحدّ ذاته إنجاز كبير، وهو أيضًا خطرٌ كبيرٌ على النظام الطائفي.إنه عائقٌأمام الأشخاص الذين يسعون إلى بناء زعامتهم علىتخويف أبناء طائفتهم من الآخر.

يمكن أن نلحظ في هذا السياقأنه كلّما اقتربت الانتخابات النيابية، يعلو خطاب تخويف المسيحيّ من المسلم، وتخويف المسلم من المسيحي. لذا، غالبًا ما يصوّت الناس للأشخاص الذين، في نظرهم، سوفيحمونهم من الآخر. المطلوب التسويق للتخويف من الآخر.

*كل دولة تقوم على عقد اجتماعي واضح بين السلطة والمواطن (حماية وحقوق مقابل واجبات). في لبنان، العقد الاجتماعي قائم بين الفرد وزعيم طائفته وليس بين المواطن والدولة. كيف يمكن إعادة تأسيس هذا العقد على قواعد علمانية دون إثارة الخوف الهوياتي لدى الطوائف؟

نعود مع سؤالك هذا إلى طرح مسألة العلمانيّة وإمكانيّة تطبيقها في بلد متعدّد الطوائف مثل لبنان، وحيث الشعور بالانتماء يبدأ بالتفتّح في الإطار الطائفيّ. لا أريد أن أكرّر ما سبق أن أشرت إليه بخصوص الواقع اللبنانيّ الذي لا يوفّر البيئة الحاضنة للفكر العلماني الذي ينظر إلى الإنسان كمواطن وليس كفرد في طائفة يرعى حقوقه زعيمٌ معيّن.

عندما تذهب إلى زعيم طائفتك، ويطالب لك بحقوقك، ويساعدك،كيف ستتمكن من الخروج من سطوته؟ الأمر أصبح نهجًا في اللاوعي لدينا. أصبح لدينا قناعة راسخة أنّ العقد ليس بين مواطن ودولة، بل هو بين فرد وبين زعيم طائفة، أو بالأحرى زعيم حزب يتحدّث باسم الطائفة ويكرّس نفسه ممثلاً عنها. هذا واقع وصلنا إليه. ومن الصعب جدًا الخروج منه. ما الحل؟ ليس لدينا خطة سحرية، وحتى أنه ليس لدينا للأسف رؤية مستقبليّة. لكن يمكنني أن أقولإنني في المكان الذي أنشط فيه، أحاول الإضاءة على هذه المواضيع. في الصف، وفي الندوات، وفي اللقاءات العامة، أحاول أن أقول إنّ مصلحتنا تكمن في تعزيز المواطنة، وليس في البقاء تحت رعاية الزعيم الطائفي. من مصلحتنا أن تكون لدينا دولة، لا أن يكون لنا زعيم معيّن. من مصلحتنا أن نحمل فكرًا نقديًا، لا أن نكونقُطعانًا تُهلّل وتردّد: بالروح بالدم نفديك يا فلان.

أحاول أن أحدّد في النقاط الآتية ما يمكن القيام به من أجل الانتقال إلى عقد اجتماعيّ في لبنان بين المواطن والدولة:

ترسيخ القيم الوطنية المشتركة، والتربية على المواطنة، منذ الطفولة.

التشديد على أهميّة الإنسان، واحترامه كقيمة بذاتها.تنمية الفكر النقدي لدى الطلاب في المدارس والجامعات من خلال مناهج جديدة حديثة.

تنمية احترام التعدّد والتشجيع على التعرّف على الآخر المختلف.

معارضة الاعتماد على المحاصصة الطائفية في عمليّة ملء الشواغر، واختيار الأنسب في القطاع العام انطلاقاً من مزايا الشخص العلمية والوظيفية، وليس انطلاقًا من انتمائه الطائفيّ.

حثّ البلديات ووزارة الثقافة ووزارة الشؤون الاجتماعيّة ووزارة الشباب والرياضة على تنظيم أنشطة مختلطة تعرّف الشباب على بعضهم بعضاً بعفوية وصدق.

الحثّ على المحافظة على البيئة وتحفيز الشباب على الانتماء إلى الأرض، وبناء علاقة شخصيّة معها.العمل على مراقبة مختلف المحطّات ووسائل التواصل الاجتماعي التي تبثّ خطاب الكراهية وعبارات التحريض على الآخر المختلف.

عدم السكوت عمّا يقوم به زارعو الفتنة في المجتمع.

هذا بعضٌ مما يمكن القيام به من دون ميزانيّات كبرى، وانطلاقًا من المعطيات التي تتوفّر في الواقع.

*بصفتكِ أستاذة جامعية ومشرِفة على مسارات تعليمية؛ هل المناهج التعليمية في لبنان تُعدّ أجيالاً نقديين، أم أنها صُممت (قصدًا أو إهمالاً) لتخريج منفّذين تابعين للبنية السائدة؟ وما هي “الثورة التربوية” المطلوبة أولاً؟

هذا السؤال مهمّ للغاية وهو يصوّب النظر نحو ما هو أساس في مسألة التربية، أي المنهاج. منذ مدّة ويُحكى عن وِرَش تجديد المناهج التعليميّة في لبنان. تُعقد الاجتماعات، ويتمّ الإعلان عن دعوة الخبراء التربويين من أجل الاجتماع لوضع مناهج جديدة. لكن للأسف، ما يحدث فعليًّا على الأرض يشوبه الكثير من اللغط، والغموض، والاستعجال. هذا عدا عن تحكّم قوى السلطة وأحزابها بالشأن التربوي. لذلك، من جهتي، لا أشعر بالاطمئنان للسياسة التربوية المتّبعة. السؤال الأبرز: أيّ مواطن نودّ أن نعدّه في لبنان المستقبل؟ أيّ شخصيّة نريد أن نبني من خلال المناهج التربوية؟

ذكرتِ في سؤالك أن المناهج وضعت من أجل تخريج منفّذين يتبعون السلطة القائمة من دون معارضة. هذا مؤسفٌ للغاية. نحن في بيئة تخشى النقد، وتَحذَرُ منه. لا نريد أن يناقشنا أحد، فما يتمّ تقديمه يجب قبوله كما هو. وكأننا أمام مجموعة عقائد سماويّة وليس أمام أفكار وضعها بشر، وهي تخضع لشروط مجتمعيّة ومعرفيّة وتاريخيّة لا يجوز التغاضي عنها.

إن كفّ يد تدخّل السياسة في التربية هو ما يجب السعي إليه، ووضع التربية بين أيادي الأخصّائيين أصحاب الهمّ التربوي، والرؤية الوطنية الخالصة. ما نحتاج إليه لا يشكّل همّاً عند المسؤولين. إن ترك الشأن التربوي بين أيدي الذين اختارتهم الأحزاب لينفّذوا سياساتها من دون نقد ولا اعتراض هو سرّ التدهور الذي نعاني منه. 

بات معروفًا أن هناك من يضع يده على التربية باعتبارها إحدى مكاسب الدولة التي تمّ تقاسمها من ضمن غنائم الحرب. نحن في بلد تتقاذفه العواصف الطائفية والصراعات الإيديولوجية، والتكوين المعرفي أمرٌ في غاية الخطورة. المنهاج الرسمي شبه مغيّب في المدارس الطائفية، هذا ما يؤدّي إلى تخريج طلاب تابعين لإيديولوجيا معيّنة بإمكانها تكفير من تشاء وتعظيم شأن من تشاء. هناك سلطة تربوية تمارسها الطائفة، أو أصحاب المدارس الخاصة المهتمّين بتنشئة أجيال لها لون مميّز، وسلوك محدّد، وثوابت معرفية معيّنة يجب احترامها.

يتعلّق الأمر هنا أيضًا بالتمويل، وبالجهة المموّلة، والشروط التي تفرضها. فالجميع يعلم ضعف ميزانيّة وزارة التربية، ومدى حاجتها إلى الدعم من أجل الاستمرار بعملها. غالبًا ما تفرض الجهة المانحة شروطها، هذا أمرٌ معروف ومتوقّع، وغالبًا ما ترضخ الجهة المستفيدة نظرًا إلى اعتبارات عدّة. لذا،في حال كنا نبغي تنشئة أبنائنا، في الظرف الحالي، على الفكر النقدي، فمن الأفضل للأسف، التوجّه نحو المدارس التي تتيح فرصة اتّباع المنهاج الفرنسي أو الإنجليزي أو الأميركي.

*يقول أنطونيو غرامشي: “أنا متشائم بسبب العقل، ولكني متفائل بسبب الإرادة“. بين قسوة التفكيك الفلسفي للواقع اللبناني المعقد، والأمل في إمكانية التغيير؛ أين تقف الدكتورة نايلة أبي نادر اليوم؟ وما الذي يمنح المفكر اللبناني السبب للاستمرار في الكتابة والتفكير داخل بلد يبدو أنه يحارب الفكر؟

من جهتي، أحاول كلّ يوم، ومع شروق كلّ شمس، أن أحثّ نفسيعلى ألاّتيأس. وكوني مؤمنة وأُصلّي، أطلب الدعم من الله كي لا أيأس. فالتحدّي الأكبر اليوم لكلّإنسان ألاّييأس. والإرادة فعلٌ نشتغل عليه كي يتكوّن وينمو فينا، وهي ليست شيئًا يُهدَى إلينافنحصل عليه من دون جهد. أعتقد أنه إذا كانت لديّ إرادة فلا مكان لليأس. وأنا أسعى دومًا إلى أن أحافظ على هذه الإرادة.

بالتالي، المطلوب أوّلاً أن نشتغل على أنفسنا، وأن نقاوم اليأس لأنه كفيلٌ بأن يمسح من أمامنا معنى الوجود، فيصبح فارغًا لا لون له ولا مذاق. اليأس يُفقدنا الرغبة بالعيش والنضال. هذا هو أكثر شيء ينتظره منا العدو؛ عدوّ الإنسانية: أن نرمي سلاحنا المعرفيّ والنقديّ، نستكينفنستسلم بهدوء. بالنسبة إليّ، المشوار طويل جدًا. المشوار صعب جدًا، ويحتاج إلى الكثير من الطاقة والإيمان والوعي: إيمان بالحياة؛ إيمان بالإنسان؛ إيمان بالكرامة الإنسانية؛ ووعي بأنّهعلينا أن نسعى إلىألا يكون في بلدنا أيّ إنسان فقير أو مغبون أو حقوقه مهدورة. لدينا عملٌ كثيرٌ من حولنا، وهو كفيلٌ بأن يشغلنا العمر بطوله.المهمّشون يحيطون بنا، ومن واجبنا لفت الانتباه إليهم، والعمل على أن يشعروا بالمعيّة، وبأنّهم ليسوا متروكين لأقدارهم. فالإحساس بالغربة وسط الناس بإمكانه أن يقتل صاحبه ويقضي عليه نفسيًّا كما جسديًّا.

*نودُّ أن نطرح عليكِ سؤالاً أخيرًا حول إيمانكِ بالله، حاليًا، كيف تطوّر وأين أصبح وكيف تُعبِّرين عنه اليوم؟

إنه سؤال يعني ليالكثير. فالإيمان ركيزة كبرى في حياتي.إنه موضوعٌ خاص جدًا وعميق للغاية، وهو ما يعطيني الدفع لأكمل طريقي على الرغم مما يعترضني من عراقيل وحواجز.

في الماضي، وفي لحظة من اللحظات أثناء الحرب، وجدت نفسي أخشى الآخر المختلف، وأكنّ له بعض المشاعر السلبيّة. ثم سألت نفسي، كيف يمكن أن أقصي الآخر وأصنّفه في خانة العدو، وأنا أعتقد نفسي بأني مؤمنة مسيحيّة. إيماني دفعني إلى أن أراجع ما تشرّبته من أفكار وما رأيته خلال الحرب من ممارسات قام بها البعض، لأعيد التفكير بالآخَر، وبمحبة الآخر، وبعدم الخوف منه، رغم كلّ جرائم الحرب ومآسيها. أصبحت بفضل إيماني مدعوة أكثر إلى التعرّف على الآخر. ثم بدأت بإعداد أبحاثٍ في الفلسفة حول الفكر الإسلاميّ. ولعب المفكر محمد أركوندورًا كبيرًا في تظهير صورة أخرى عن الإسلام أمامي. أنهمفكّرٌ إنسانيّ جدًا، محبّ للحياة وأبنائها، عاش الاضطهاد لأنه أمازيغي، مسلم، غير عربي. والأمازيغية هي أقليّة مضطهدة، لذا، شعرتُبأنه يمثّلني في مكان ما. فعندما نكون في حالة قلق، وتساؤل، ويأتي الجواب، بسلام، من داخلك، ترتاح وتقوى وتكمل مسيرتك. تصبح قادرًا على أن تفهم الجواب العقلاني حتى لو لم يقنعك أويَعْنِ لك… تبدأ بالنظر إليه من زاوية مختلفة، ويمكنك حينها أن تتفهّمه.

تجربتنا مع الله تحتاج إلى تدخّل العقل. عندما أفكر بالله، أفكر بعقلي، وعندما أكلّمه، أكلّمه أيضًا بعقلي. وعندما أقرأ كلامه في الكتاب المقدس، أيضًا أقرؤه عن طريق الفهم واستخدام العقل.هناك فلاسفة يقرّون بأن العقل محدود، صحيح. النظريات والأفكار بإمكانهاأن تتغيّر كلّها لأنها ناقصة ومحدودة.كذلك، العقل لا يمكنه استيعاب المطلق، لأن المطلق أرحب منه، ونحنمحدودون.أما الإيمان فهو غير محدود كونه يتعاطى مع المطلق، بالتالي، لذا، لم يعد من شيء يحدُّه. فعندما يعي عقلك أنّ إيمانك لا محدود،يصبح لديهوعيٌ باللامحدود، فينطلق في التحليق بحثًا عن الحقيقة. الهامش الذي يتحرّك العقل في إطاره معروف، ومحدود.علّمتني الفلسفة تواضع العقل. مهما بلغنا حدًّا بعيدًا في المعرفة، نبقىمحدودين، ومؤطّرين. فلنترك الإيمان يسير في طريقه…ربما يقودنا إلى ما يمكنه أن يفاجئنا.

*بناءً على توصيفكِ للإيمان، ما رأيكِ بالطقوس الدينية؟

الطقوس أمر آخر، هنالك أناس ترضيهم الطقوس وتفرّحهم وتساعدهم على التواصل مع الله. كنت أمارسهاكثيرًا، لكن خفّت ممارستي مع الزمن. أصبحت أكثر ميلاً إلى التوحّد، إلى الاختلاء بالنفس بعيدًا عن الضجيج. الأمور تتعلّق براحة الإنسان من الداخل، بالفرح الذي يختبره بحضرة المطلق.

هناك أناس بحاجة إلىالطقوس، وهي تريحهم.المتصوفة والنسّاك مثلاً، كانوا يقسون علىأنفسهم في ممارسة إيمانهم، إذ لم تعد الطقوس تفي بحاجاتهم الروحية. لكل إنسان علاقتهالخاصة مع الله. هي علاقة مُفصّلة على قياسه. يحضرني قولٌ يفيد بأن الحب قصيدة يكتبها اثنان، ولكلٍّ أن يكتب قصيدتهبرفقة من يحب. والإيمانُ بالنسبة إليّ هو دخولٌ في علاقة مع كائن مطلق. ولك أن تكتب قصيدتك الخاصة حول هذا اللقاء وتفاصيله التي تعنيك أنت بالدرجة الأولى…

***

Share.

About Author

باسل عبدالله - مسؤول تحرير مجلة تواصل مدني

Comments are closed.