الإبادةُ الحضريّة في جنوب لُبنان: استهدافُ المكان واغتيالُ الذاكرة الجمعيّة

0

مقالة: أديب محفوض

تتجاوز المشاهد القادمة من القرى الحدوديّة في جنوب لبنان حدود الدمار العسكريّ التقليديّ، لتكشف عن نمط عنيف يستهدف اجتثاث الوجود البشريّ من جذوره. إنّ ما تقوم به آلة الحرب الإسرائيليّة اليوم، عبر سياسة المحو الشامل للتجمّعات السكنيّة، هو تجسيد صارخ لمفهوم “الإبادة الحضريّة”. هذا المفهوم لا يقف عند حدود هدم الجدران أو تعطيل البنية التحتيّة، بل يمتدّ ليصبح عمليّة ممنهجة لاغتيال المكان بوصفه حاملاً للذاكرة الجمعيّة، وشاهداً حيّاً على تاريخ طويل من الانتماء. فالحجر في هذه الحواضر ليس مجرّد مادّة بنائيّة، بل هو النصّ الثقافيّ الذي دوّن فيه السكّان الأصليّون حكايات صمودهم وحياتهم اليوميّة، ومن هنا تنطلق رغبة الاحتلال في تحويل هذه الحيويّة إلى عدم جغرافيّ.

تستند هذه الممارسات التدميريّة إلى مرتكزات أيديولوجيّة عميقة ترى في الجغرافيا مجالاً حيويّاً يجب تطهيره من الآخر. ويتجلّى هذا السلوك في توظيف الحجج الأمنيّة وسرديّات “المناطق العازلة” كغطاء تقنيّ لتبرير مسح بلدات كاملة عن الخارطة. لكنّ القراءة العميقة للواقع تُظهر أنّ الغاية الحقيقيّة هي قطع الطريق أمام أيّ إمكانية للاستقرار البشريّ المستقبليّ. يترافق هذا الطمع التوسّعيّ مع جنوح راديكاليّ يستدعي مفاهيم غيبيّة مُسيّسة لنزع الإنسانيّة عن السكّان الأصليّين، حيث يُصبح هدم المنازل، ودور العبادة من مساجد وكنائس، فعلاً تقديسيّاً في فكر المحتلّ، يهدف إلى اقتلاع الهويّة الروحيّة للمنطقة واستبدالها برواية إقصائيّة تُفرض بقوّة النار.

من الناحية القانونيّة، فإنّ عمليّات التجريف الشاملة التي تعرّضت لها بلدات حدوديّة مثل بنت جبيل، وعيترون، وعيتا الشعب، ومارون الراس، وميس الجبل، وعديسة، وغيرها، تُشكّل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدوليّ الإنسانيّ. ووفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، يُعدّ استهداف الأعيان المدنيّة التي لا تقدّم ميزة عسكريّة مباشرة جريمة حرب موصوفة. إنّ سحق نسيج عمرانيّ كامل يتجاوز مفهوم “الضرورة العسكريّة” ليدخل في سياق العقاب الجماعيّ والتدمير غير المتناسب. كما أنّ هذا التدمير لا يقتصر على البناء، بل يمتدّ ليشمل مصادر عيش السكّان، مثل بساتين الزيتون ومرافق المياه، وهو ما تحظره المادة 54 من البروتوكول نفسه، التي تمنع إهلاك المواد الضروريّة لبقاء المدنيّين، بهدف تحويل النزوح المؤقّت إلى تهجير قسريّ دائم. علاوة على ذلك، فإنّ هدم المعالم التاريخيّة يُمثّل اعتداءً مباشراً على التراث الثقافيّ المحميّ بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954، في حملة منظّمة لقطع الصلة الوجدانيّة بين الإنسان وأرضه.

تتعمّق المأساة عند الانتقال من البعد القانونيّ إلى البعد الاجتماعيّ والأنطولوجيّ؛ فالمكان في ثقافة أهل الجنوب ليس جغرافيا صمّاء، بل هو خزان العاطفة والأرشيف الحيّ للعائلة. حينما تُسوّى الأحياء بالأرض، لا يفقد المرء مسكناً فحسب، بل يتعرّض لصدمة “اليتم المكانيّ”. إنّ خلق هذا الفراغ الموحش هو سلاح نفسيّ يُراد منه تحويل السكّان إلى كائنات معلّقة بلا أصول ماديّة تُثبت عراقتهم. هذا المحو الممنهج يسعى إلى جعل فكرة العودة نفسها مستحيلة، ليس بسبب غياب السقف، وإنّما بسبب اغتيال الروح التي كانت تجعل من الحقل ذاكرة ومن الحجر وطناً.

على المستوى الوطنيّ الشامل، تتمدّد آثار هذه الإبادة الحضريّة لتُحدث تصدّعات بنيويّة في الداخل اللبنانيّ. فموجات النزوح القسريّ الكبيرة تضع المجتمع أمام تحدٍّ اجتماعيّ غير مسبوق، حيث يعيش النازح مأساة مزدوجة بين فقدان بيته ومرارة العيش في ظروف قاسية. هذا الواقع يُشكّل ضغطاً هائلاً على الموارد المحدودة للدولة، ممَّا قد يُسهم في نكء الحساسيّات الاجتماعيّة في بيئة سياسيّة مأزومة أصلاً. ومن الناحية الاقتصاديّة، فإنّ استهداف المناطق الزراعيّة بالفوسفور الأبيض وتحويلها إلى أراضٍ ميتة يُعدّ ضربة قاضية للأمن الغذائيّ اللبنانيّ، وإعداماً للاقتصاد الريفيّ الذي يعتمد عليه آلاف المواطنين، ممَّا يحوّل القدرة الإنتاجيّة إلى حالة من العجز الطويل الأمد.

تضع هذه التطوّرات الدولة اللبنانيّة أمام مأزق سياديّ كبير، حيث يحاول الاحتلال فرض أمر واقع جديد بقوّة السلاح. وهذا يتطلّب بناء رؤية وطنيّة متماسكة تتجاوز الانقسامات الداخليّة، وترى في إعادة الإعمار وتثبيت المواطنين في أرضهم فعل مقاومة سياديّة حقيقيّة.

رغم قسوة هذه الحرب التدميريّة، إلاّ أنّ التاريخ يُثبت أنّ الذاكرة الجمعيّة للشعوب عصيّة على التجريف. إنّ الحواضر التي شهدت غزوات متعاقبة عبر العصور تملك قدرة طبيعيّة على النهوض من الركام. وإذا كانت المسؤوليّة الدوليّة تقتضي اليوم توثيق هذه الجرائم بوصفها “إبادة حضريّة” تستوجب المحاسبة الجنائيّة، فإنّ المسؤوليّة الوطنيّة تتمثّل في التمسّك بحقّ الوجود وحماية الهويّة الثقافيّة للمكان. فالأوطان لا تموت بسقوط جدرانها، بل عندما تنكسر إرادة سكّانها في إعادة الحياة إلى تلك الجدران، والجنوب اليوم، بكلّ جراحه، يُؤكّد أنّ الروح التي تسكن الأرض تظلّ دائماً أقوى من الآلة التي تحاول محو أثرها.

Share.

About Author

باسل عبدالله - مسؤول تحرير مجلة تواصل مدني

Comments are closed.