مقالة: أديب محفوض
المقدمة
تُقاس جودة الأنظمة الديمقراطية بمدى اتساق أطرها التشريعية والإجرائية مع فلسفة التمثيل الشعبي العادل والحر. ويشكّل القانون الانتخابي الأداة القانونية لتجسيد العقد الاجتماعي ونقل السيادة من صاحبها الأصلي (الشعب) إلى الوكيل (المجلس النيابي) ضمن شروط وقواعد تضمن نزاهة المنافسة ودورية الاستحقاقات. في لبنان، شكّل إقرار القانون رقم 44/2017 تحولاً في الفكر التشريعي عبر إدخال نظام التمثيل النسبي بعد عقود من هيمنة النظام الأكثري. غير أنّ هندسة هذا القانون أنتجت “نسبية مقيّدة” محكومة بقيود جغرافية وطائفية صلبة، وتزامنت مع قصور في آليات الضبط والرقابة الموكلة إلى هيئة الإشراف على الانتخابات، وصولاً إلى الانتكاسة الدستورية المتمثلة في العودة إلى نهج التمديد للمجلس النيابي.
تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة فقهية ونقدية متكاملة للمنظومة الانتخابية اللبنانية من خلال ثلاثة محاور مترابطة: يفكك الأول الثغرات البنيوية في القانون 44/2017 وأثرها على المساواة التصويتية؛ ويُحلّل الثاني التكييف القانوني والواقع الرقابي لهيئة الإشراف وتحديات الفضاء الرقمي؛ في حين يتناول الثالث الأبعاد الدستورية والفلسفية لظاهرة التمديد البرلماني وتداعياتها على الوكالة الشعبية، مختتمة برؤية إصلاحية شاملة.
المحور الأول: بنية التمثيل في القانون 44/2017 وعدالة وزن الصوت
يرتكز التحول نحو النظم النسبية في الفقه الدستوري المقارن على غاية أساسية قوامها تفكيك الاحتكار الأغلبي، وضمان عدالة تمثيل القوى السياسية بحسب أوزانها الواقعية، ضمن بيئة تشريعية تحمي تكافؤ الفرص وتضمن المساواة في وزن الصوت. غير أن تفكيك البنية الداخلية للقانون رقم 44/2017 يكشف عن هندسة تقنية أنتجت نموذجاً هجيناً يمكن تسميته بـ “النسبية المقيَّدة”؛ حيث جرى إفراغ الأداة النسبية من مفاعيلها الإصلاحية وتطويعها لخدمة التوازنات الطائفية والمحلية التقليدية. يناقش هذا المحور كيف أسهمت هندسة الدوائر، وآليات احتساب الحاصل الانتخابي، وحصر الصوت التفضيلي في نطاق جغرافي ضيق، في تآكل الوظيفة التمثيلية للنسبية، وتشويه القوة التصويتية للمواطن، وتحويل المنافسة البرامجية المشتركة إلى صراع خدماتي محلي وشخصي.
أوّلاً:هندسة الدوائر وتفاوت القوة التصويتية
يفترض في ترسيم الدوائر الانتخابية أن يقدّم ضمانة تشريعية لعدم تفاوت “قوة الصوت” بين ناخب وآخر، تماشياً مع المادة السابعة من الدستور اللبناني التي تكرس مساواة المواطنين في الحقوق والواجبات، ومع معايير لجنة البندقية التي تشترط توزيع المقاعد على نحو متوازن بين الدوائر (لجنة البندقية، 2002). إلا أن التوزيع الرقمي للمقاعد في قانون 44/2017 يكشف عن انحراف حاد عن هذا المعيار الديمقراطي.
إن غياب معيار ملزم يحد من الانحرافات بين الدوائر (مثل تحديد نسبة ثابتة لعدد الناخبين لكل مقعد) أدى إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ “الصوت الهجين”، حيث تختلف القيمة التمثيلية للصوت وجدواه الحسابية جذرياً بين دائرة وأخرى. ففي دوائر مثل (بيروت الأولى) أو (بعلبك – الهرمل)، يظهر تفاوت ملموس في “الحاصل الانتخابي” المطلوب للفوز بمقعد واحد مقارنة بدوائر صغرى أو ذات توزيع طائفي مغاير (محفوض، المقال الأول). هذا التباين يحوّل الدوائر الانتخابية إلى جزر تمثيلية غير متكافئة ويفرغ مبدأ المساواة من مضمونه العملي.
ثانياً:الحاصل الانتخابي والأصوات غير المترجمة
يرتبط الأثر العملي لطريقة الاحتساب النسبي بحجم الدائرة وعدد المقاعد المخصصة لها؛ فكلما صغرت الدائرة الانتخابية، ارتفع الحاصل الانتخابي (العتبة الفعلية)، مما يقلص فرص اللوائح الجديدة والتعددية السياسية. ينتج عن هذا المزيج (حجم الدائرة/عدد المقاعد) كتلة ضخمة من “الأصوات غير المترجمة” وهي أصوات الناخبين التي ذهبت للوائح لم تتخط الحاصل، مما يؤدي إلى إقصاء قوى سياسية حائزة على تأييد شعبي، وتحويل النسبية إلى آلية لإعادة إنتاج القوى التقليدية (بعثة الاتحاد الأوروبي، 2022).
علاوة على ذلك، برزت عوائق لوجستية أثرت سلباً على حرية الاقتراع ونسبة المشاركة، وفي مقدمتها عدم اعتماد مركز الاقتراع الموحد “الميغاسنتر”، والذي اعتبرته الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات (لادي) أداة لتعميق “الزبائنية الجغرافية” من خلال استغلال كلفة بدل النقل كوسيلة للضغط السياسي وتوجيه خيارات الناخبين (الجمعية اللبنانية، 2022).
ثالثاً:الصوت التفضيلي وتآكل الوظيفة النسبية
يعد الصوت التفضيلي المقيد بالقضاء أكثر عناصر القانون 44/2017 تأثيراً في سلوك الناخبين والمرشحين، إذ يمثل مفارقة بنيوية: فالنسبية تقوم أصلاً على منطق البرنامج واللائحة المتماسكة، بينما الصوت التفضيلي يوجه المنافسة إلى داخل اللائحة الواحدة. يدفع هذا التصميم المرشح إلى بناء حملة تفاضلية ضد حلفائه في القائمة لاستقطاب الأصوات التفضيلية، مما يرفع من وتيرة الاستثمار في شبكات الخدمات والولاءات الشخصية والمال الانتخابي بدلاً من الخطاب البرامجي الموحد (بعثة الاتحاد الأوروبي، 2022). وبذلك، يتحول المقعد النيابي إلى مسابقة محلية ضيّقة، وتصبح النسبية مجرد غطاء شكلي لمنافسة أكثريّة فرعية (محفوض، المقال الأول).
المحور الثاني: هيئة الإشراف على الانتخابات: جدلية النص ومأزق التغييب الرقابي
تتوقف الفعالية الحقيقية لأي نص انتخابي إصلاحي على مدى استقلالية وقوة الجهاز الرقابي المنوط به حماية عملية الاقتراع ولجم المخالفات. وفي حين جزم المشرّع اللبناني في المادة التاسعة من القانون رقم 44/2017 بإنشاء “هيئة دائمة للإشراف على الانتخابات” كترجمة بنيوية لنموذج الإدارة الانتخابية المستقلة تماشياً مع المعايير الدولية المعاصرة، إلا أن التمحيص الإداري والعملي يكشف أن المقاربة التشريعية بقيت شكليّة؛ إذ أفرغت المواد الإجرائية اللاحقة هذا الاستقلال من مضمونه السيادي. يتناول هذا المحور بالتحليل النقدي واقع هيئة الإشراف على الانتخابات عبر ثلاثة أبعاد متداخلة؛ يبدأ بالتكييف الفقهي لمعضلة “الانفصام القانوني” والتبعية الوظيفية لوزارة الداخلية، ثم ينتقل لمعاينة مظاهر “الامتناع الإداري” والاستنسابية السياسية التي أدت إلى تغييب الهيئة قسراً في محطات مفصلية (استحقاق 2025 نموذجاً)، وصولاً إلى رصد مظاهر العجز المؤسساتي في امتلاك أدوات الردع والإنفاذ الزجري الفوري، لا سيما أمام التدفق المالي المنفلت والتحديات السيبرانية المستحدثة في الفضاء الرقمي.
أوّلاً:التكييف القانوني ومعضلة التبعية الوصائية
جاء النص على إنشاء “هيئة دائمة للإشراف على الانتخابات” في المادة التاسعة من القانون 44/2017 لمحاكاة التوجهات الدولية المعاصرة الداعية لتبني نموذج “الإدارة الانتخابية المستقلة” (Electoral Management Body – EMB) وفك الارتباط بين السلطة التنفيذية وإدارة العمليات الانتخابية (محفوض، المقال الثاني). وتشدد لجنة البندقية في “مدونة قواعد السلوك في المسائل الانتخابية” على أن استقلال الإدارة الانتخابية وحيادها يمثلان الركيزة الأساسية للنزاهة، وهو ما يتطلب سيادة مالية وحصانة ضد العزل (لجنة البندقية، 2002).
من الناحية الفقهية، يثير منح الهيئة الشخصية المعنوية إشكالات عميقة في القانون الإداري اللبناني؛ إذ يعتريها انفصام قانوني يجعلها مستقلة اسماً وتابعة فعلاً. تفتقر الهيئة إلى السيادة الإدارية والمالية، فهي مرتبطة عضوياً بوزارة الداخلية والبلديات من حيث المقر، وتعتمد في كادرها على موظفين منتدبين من الإدارات العامة مما يخلق ولاءً مزدوجاً يضعف استقلالية التحقيقات الرقابية (محفوض، المقال الثاني). كما تخضع الهيئة لوصاية إدارية ومالية مشددة من وزارتي الداخلية والمالية، مما يضعها في مرتبة أدنى من التجارب الإقليمية المستقلة كالهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس (القانون الأساسي رقم 23 لسنة 2012) أو الهيئة المستقلة في الأردن (إيفس، 2014).
ثانياً: الامتناع الإداري وتجربة استحقاق 2025
تتجلّى ثغرات البناء القانوني للهيئة في معضلة الديمومة الفاقدة للضمانات الإجرائية (المادة 11)، حيث رُبط استمرار الأعضاء بصدور مرسوم تعيين من مجلس الوزراء، مما يسمح للسلطة التنفيذية بممارسة التعطيل الإداري العمدي عبر الامتناع عن إصدار المرسوم (الجمعية اللبنانية، 2025). وقد بلغ هذا التغييب ذروته في الانتخابات البلدية والاختيارية لعام 2025؛ إذ استندت السلطة التنفيذية إلى تفسير استنسابي ضيق للمادة 16 من قانون البلديات التي تحيل إلى قانون الانتخابات النيابية “فيما لا يتعارض وأحكامه”، لتعطيل تفعيل الهيئة قسراً بحجة عدم انطباق صلاحياتها على العمل البلدي (محفوض، المقال الثاني).
إن هذا القرار بالامتناع شلّ الرقابة الرسمية على الإعلام والإنفاق في استحقاق 2025، وشكل خرقاً لمبدأي “وحدة المعايير الانتخابية” و”توازي الصيغ”، إذ إنّ الهيئة المنشأة لحماية نزاهة التمثيل الوطني أولى بها قانوناً الإشراف على التمثيل المحلي، مما أدى لانكشاف الفضاء الانتخابي أمام انتهاكات واسعة غابت عنها المحاسبة (الجمعية اللبنانية، 2025).
ثالثاً: قصور آليات الضبط وسقوف الإنفاق في الفضاء التقليدي والرقمي
تكمن نقطة الضعف الجوهرية في أن الهيئة تفتقر لصلاحيات الضابطة العدلية المنقوصة وسلطة الإنفاذ الفوري للجزاء؛ فهي ترصد المخالفة لكنها لا تملك قمعها، واضطرارها للجوء إلى النيابة العامة الخاضعة لوزارة العدل يفرغ الرقابة من “فعالية الزمن” (محفوض، المقال الثاني). هذا الضعف حوّل سقوف الإنفاق المالي إلى مجرد أرقام شكلية لا تعكس واقع الدعم المالي الضخم الذي يضرب مبدأ تكافؤ الفرص (بعثة الاتحاد الأوروبي، 2022). وتشير لادي ميدانياً إلى عجز بنيوي في حماية إرادة الناخب من الضغوط المباشرة والترهيب وخرق سرية الاقتراع نتيجة غياب سلطة الردع الفورية للهيئة (الجمعية اللبنانية، 2022).
يتضاعف هذا العجز أمام طفرة الإعلام الرقمي؛ فمنظومة القانون 44/2017 صيغت بعقلية الإعلام التقليدي، مما خلق فراغاً تنظيمياً كلياً حيال الإعلان السياسي الرقمي. ويحذّر دليل اليونسكو لعام 2022 من خطورة هذا الفراغ الذي يسمح ببروز الإنفاق الانتخابي المستتر عبر المؤثرين والجيوش الإلكترونية، وتقنيات “الاستهداف الدقيق” التي تتيح التلاعب بإرادة الناخبين بعيداً عن الرصد المؤسساتي، مما يجعل نص “الصمت الانتخابي” يتلاشى تماماً أمام التدفق المالي الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي مثل (Facebook) و(TikTok) (اليونسكو، 2022).
المحور الثالث: إشكالية التمديد للمجلس النيابي: تقويض الوكالة الشعبية وتأبيد السلطة
تمثل الدورية المنظّمة للاقتراع العام الأساس البنيوي الذي يستمد منه النظام التمثيلي مشروعيته السياسية والقانونية؛ وبها يتأصل التداول السلمي على السلطة وتتحقق ممارسة السيادة الفعلية للموكلين. غير أن الواقع الدستوري في لبنان واجه اختلالاً مزمناً بتواتر ظاهرة التمديد البرلماني، التي تجاوزت حدود التدبير الفني المؤقت لتتحول إلى أداة لتعطيل فاعلية الوكالة الشعبية والإفلات من المساءلة الدورية. يتقصّى هذا المحور الأبعاد المتعددة لإشكالية التمديد من خلال أربع نقاط رئيسيّة: يبدأ بتأصيل الجذور الفلسفية للوكالة محددة المدة، ثم يتتبع المسار التاريخي للتمديد في التجربتين الوجيزتين والجمهورية الثانية، لينتقل بعدها لفرز وتفكيك حدود نظرية الظروف الاستثنائية ومبدأ التناسب، ويختم بتشريح أثر غياب الرقابة القضائية الفعالة في خلق عرف واقعي يتحدى النص المكتوب ويقوّض دولة القانون.
أوّلاً: الأبعاد الفلسفية للوكالة الشعبية محددة المدة
تقوم الديمقراطية التمثيلية في جوهرها على فكرة الوكالة؛ وهي وكالة مشروطة بهدف وبمدة زمنية محددة دستوريّاً. وتحديد المدة ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو الأداة الوحيدة التي تمنح الناخب فرصة دورية لمساءلة ممثليه وتجديد الثقة بهم أو سحبها (بركة، 2005) . من منظور الفلسفة السياسية ومفكري العقد الاجتماعي وعلى رأسهم جان جاك روسو، فإن السيادة ملك للشعب وحده وهي غير قابلة للتفويض الدائم أو التصرف (روسو، 1762)؛ وبالتالي فإن قيام المجلس النيابي بالتمديد لنفسه يمثل مصادرة للسيادة الأصلية، وحالة من منح السلطة لذاته دون تفويض من صناديق الاقتراع، مما ينسف مبدأ فصل السلطات ويجعل السلطة التشريعية فوق الشعب وفوق الدستور (شكر، 2012).
ثانياً: المسار التاريخي للتمديد: من الحرب الأهلية إلى الجمهورية الثانية
لم يكن التمديد البرلماني في لبنان حالة استثنائية عابرة، بل تحول عبر التاريخ السياسي إلى نهج تستخدمه القوى الحاكمة لتأجيل المحاسبة وترتيب التوازنات بعيداً عن تقلّبات الإرادة الشعبية (مسرة، 1997). ويتضح هذا المسار من خلال محطتين أساسيتين:
– مرحلة الحرب الأهلية (1972-1992): شهدت تمديداً متكرراً لمجلس 1972 استمر لعشرين عاماً بذريعة استحالة إجراء الانتخابات نتيجة الانقسام الجغرافي والظروف الأمنية القسريّة (رباط، 1982). وأدى ذلك إلى شيخوخة المؤسسة التشريعية، وعزل جيل كامل من الشباب عن المشاركة السياسية، وترسيخ فكرة البقاء دون رضا المحكومين.
– الجمهورية الثانية (ما بعد الطائف): بدأت بتمديد تقني لمجلس 1992 لعدة أشهر (مسرة، 1997)، ثم تطورت لاحقاً عبر ثلاث عمليات تمديد متتالية ومتطاولة لأعوام 2013 و2014 و2017 لغايات سياسية مبيّتة وتجنب الاقتراع الشعبي، مما حوّل الاستثناء إلى قاعدة واقعية تضرب جوهر الدستور (المجلس الدستوري، القرار 5/2014).
ثالثاً: اختبار التمديد المعاصر والتحصن بالظروف الاستثنائية
توّج هذا المسار المأزوم في التاريخ الحديث بتصويت المجلس النيابي على التمديد لنفسه في جلسة 9 آذار 2026، استناداً إلى الظروف القاهرة الناتجة عن الحرب والعدوان المستمر على البلاد (محفوض، المقال الثالث). ورغم موضوعية الظرف القاهر أمنياً، إلا أن المدة الطويلة المقرة تجاوزت مقتضيات الضرورة التقنية، وجاءت لتلبّي نوايا سياسية بالتمديد كانت تلوح في الأفق العام حتى قبل تفاقم الأوضاع العسكرية.
تتحصن السلطة السياسية دائماً بنظرية الظروف الاستثنائية لتبرير هذه القوانين، وهي نظرية فقهية تهدف أساساً لحماية ديمومة الدولة واستمرارية المرفق العام عند وجود حالة عجز مادي مطلق. غير أن الفقه والقضاء الدستوري وضعا قيوداً صارمة لتطبيقها، أبرزها مبدأ التناسب؛ فالخطر الأمني الذي يمنع إجراء الانتخابات لمدد وجيزة لا يبرر قانوناً التمديد لسنوات (خليل، 2005). فإذا كان التعطيل ناتجاً عن تقصير السلطة ذاتها في الإعداد والتحضير، فإن التمديد يفتقر لركنه المادي الشرعي ويغدو باطلاً.
رابعاً: غياب الرقابة القضائية الفعالة ونشوء العرف الواقعي
لقد أكد المجلس الدستوري اللبناني في قراره التاريخي رقم 5/2014 أن دورية الانتخابات مبدأ ذو قيمة دستورية لا يجوز المساس به إلا في حالات الاستحالة المطلقة (المجلس الدستوري، 2014). ومع ذلك، لعب التعطيل السياسي المبرمج للمجلس الدستوري عبر إفقاده النصاب القانوني عمداً ومنعه من إصدار قرارات إبطال نافذة – كما تجسد في قضية القرار رقم 1/1997 والوقائع والطعون اللاحقة به- دوراً سلبياً في تجريد الرقابة القضائية من فاعليتها (المجلس الدستوري، 1997).
إن هذا العجز والتعطيل في حسم الطعون حوّل قوانين التمديد المتكررة إلى ما يشبه العرف الواقعي المكرّس الذي يتحدى النص الدستوري المكتوب، وهو ما يهدد هيبة الأحكام والعهود الدستورية، ويفتح الباب قانونياً وسياسياً للتلاعب والتعطيل المستقبلي بمدد ولايات المؤسسات الدستورية والقضائية الأخرى في الدولة (بركة، 2005).
المحور الرابع: حزمة إصلاحية تشريعية ومؤسساتية شاملة
بناءً على هذا التفكيك البنيوي، يتضح أن الإصلاح الانتخابي لا يستقيم بتعديلات مجتزأة، بل يتطلب حزمة تشريعية ومؤسساتية متكاملة ومترابطة تسد هذه الثغرات وتمنع تداخلها، وذلك وفق الآتي:
إعادة هندسة الصوت التفضيلي وتصحيح التمثيل: رفع نطاق الصوت التفضيلي ليكون على مستوى الدائرة الكبرى بدلاً من القضاء، أو استبداله بنظام اللائحة ذات الترتيب المغلق أو المفتوح وفق ضوابط ديمقراطية؛ وذلك للحد من التنافس الداخلي الهدام وتعزيز التنافس على أساس البرامج السياسية (محفوض، المقال الأول؛ بعثة الاتحاد الأوروبي، 2022).
تقنين معايير ترسيم الدوائر: إدراج نص معياري ملزم في صلب القانون يحدّد سقفاً أعلى للتفاوت المسموح به في القوة التصويتية بين الدوائر (عدد الناخبين/المقعد)، ضماناً لمبدأ المساواة في وزن الصوت وتكافؤ الفرص الدستوري (لجنة البندقية، 2002).
المأسسة الكاملة للإدارة الانتخابية (تعديل المادة 11 من القانون 44/2017): تحويل هيئة الإشراف إلى سلطة دستورية مستقلة تماماً وفك ارتباطها العضوي والمالي بوزارة الداخلية. ويتطلب ذلك منحها موازنة مستقلة تُصرف بقرار من رئيسها، وجهازاً وظيفياً وتقنياً دائماً، وتعديل آلية تعيين أعضائها عبر ترشيحات من مجلس القضاء الأعلى ونقابة المحامين والجامعات وبأغلبية موصوفة في البرلمان (محفوض، المقال الثاني). كما يجب تعديل المادة 11 لتنص صراحة على ممارسة الهيئة لمهامها “حكماً وبكامل صلاحياتها التقريرية والزجرية” في الفترات الانتقالية منعاً للتعطيل الإداري (الجمعية اللبنانية، 2022).
توسيع الولاية وتطوير الصلاحيات لنموذج شبه قضائي: تعديل المادة 16 من قانون البلديات للنص صراحة على بسط ولاية الهيئة الرقابية على كافة أنواع الانتخابات (النيابية، البلدية، والاختيارية) منعاً للاجتهاد الاستنسابي (الجمعية اللبنانية، 2025). ومنح الهيئة صلاحيات شبه قضائية تتيح لها فرض غرامات فورية، وقف الإعلانات المخالفة، وتفعيل ضابطة عدلية انتخابية ملحقة بها مباشرة للإنفاذ في الزمن الانتخابي، بدلاً من الارتهان للمسارات القضائية البطيئة (برنامج الأمم المتحدة، 2022؛ ميديا، 2014).
ضبط التمويل والإعلام ومأسسة الرقابة الرقمية: إلزام المرشحين بنظام التصريح الدوري والعلني عن النفقات أثناء الحملة، ومنح الهيئة صلاحية التعاقد المستقل مع شركات تدقيق مالي (بعثة الاتحاد الأوروبي، 2022). وإنشاء “وحدة رقابة رقمية سيبرانية” داخل الهيئة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مكلّفة بإلزام منصات التواصل العالمية بالشفافية في الإعلانات السياسية أسوة بقانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA)، وإلزام المرشحين بالتصريح عن حساباتهم الرقمية لضبط الإنفاق المستتر ومكافحة التضليل ومراعاة “الصمت الانتخابي” فعلياً (اليونسكو, 2022؛ الاتحاد الأوروبي، 2024).
تطوير مسار الطعون وتسوية النزاعات: تزويد المجلس الدستوري بأدوات تحقيق فني وتقني واسعة (إعادة الفرز وتدقيق المحاضر والتقصي الميداني) ليتجاوز التدقيق الورقي الشكلي، وتقصير المهل القانونية للبت بالطعون لضمان حماية صحة التمثيل واسترداد المقاعد في توقيت مؤثر سياسياً (لجنة البندقية، 2002؛ الوكالة الوطنية، 2022).
تقييد التمديد البرلماني وإسناده للقضاء الدستوري:تقييد مفهوم الظروف الاستثنائية بنصوص قاطعة، ونزع صلاحية التمديد الذاتي من يد البرلمان. وفي حالات الاستحالة المادية المطلقة، يُلزم البرلمان بتقديم طلب معلل للمجلس الدستوري، لتكون له وحده الصلاحية الحصرية والسابقة في تقدير مشروعيّة الظرف ومنح إجازة “تمديد تقني” لأقصر فترة ممكنة منعاً للإفلات من المحاسبة (محفوض، المقال الثالث؛ المجلس الدستوري، 1997).
تعزيز الشمول السياسي (الكوتا النسائية):اعتماد كوتا مرحلية إلزامية للنساء لا تقل عن 30% في اللوائح الانتخابية كتدبير تصحيحي للاختلال البنيوي وتحقيقاً للمساواة الفعلية (برنامج الأمم المتحدة، 2022).
الخاتمة
إن تفكيك أركان العملية الانتخابية في لبنان يُظهر أن الأزمة لا تكمن في تبني النص النسبي، بل في القيود التصميمية والإجرائية التي أفرغته من جوهره الإصلاحي. فالصوت التفضيلي أعاد إنتاج الاصطفاف المحلي، وإبهام معايير الدوائر أخل بالمساواة التصويتية، وتبعّية هيئة الإشراف غيّبت أدوات الضبط الفعالة في الفضاءين التقليدي والرقمي، ليأتي التمديد البرلماني المتكرر ويتوّج الأزمة بمصادرة الوكالة الشعبية وتأبيد السلطة.
إن الانتقال نحو نظام ديمقراطي حقيقي يستدعي تلازم مسارات الإصلاح عبر تبني الحزمة التشريعية المقترحة، وبناء إدارة انتخابية سيادية تملك سلطة الجزاء الناجز، وتقييد استغلال الأزمات للإفلات من صناديق الاقتراع. بذلك فقط يتحول القانون الانتخابي من أداة تقنية لتقاسم المقاعد إلى رافعة للعدالة التمثيلية، تسهم في استعادة ثقة المواطن بمؤسسات الدولة وتحصين السلم الأهلي والمسار الدستوري.
لائحة المراجع والرموز التوثيقية
ملاحظة: الرمز “محفوض، المقال الأول” يشير إلى مقال الثغرات في قانون الانتخاب؛ “محفوض، المقال الثاني” يشير إلى مقال هيئة الإشراف؛ “محفوض، المقال الثالث” يشير إلى مقال التمديد للمجلس النيابي.
أولاً: المراجع والوثائق الوطنية
- الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات. (2022). التقرير الختامي لمراقبة الانتخابات النيابية 2022. بيروت.
- الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات. (2025). التقرير الختامي لمراقبة الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان. بيروت.
- الجمهورية اللبنانية. (1977). المرسوم الاشتراعي رقم 118: قانون البلديات وتعديلاته. بيروت: الجريدة الرسمية.
- الجمهورية اللبنانية. (2017). قانون رقم 44 تاريخ 17/6/2017 (قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب). بيروت: الجريدة الرسمية.
- المجلس الدستوري اللبناني. (1997). القرار رقم 1/1997 تاريخ 10/5/1997 (المتعلق بإبطال قانون تمديد ولاية المجالس البلدية). بيروت: الجريدة الرسمية.
- المجلس الدستوري اللبناني. (2014). القرار رقم 5/2014 الصادر بتاريخ 28/11/2014 (حيثيات مبدأ التناسب ودورية الانتخابات. بيروت.
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات . (2022). تقرير مراقبة الانتخابات النيابية للعام 2022 من منظور جندري. بيروت.
- محفوض، أديب إسماعيل. (2026، 11 شباط). الثغرات في قانون الانتخابات النيابية: قراءة تحليلية نقدية. المفكّرة القانونيّة.
- محفوض، أديب إسماعيل. (2026، 28 شباط). هيئة الإشراف على الانتخابات: جدليّة النصّ القانونيّ ومأزق التغييب الرقابي. المفكّرة القانونية.
- محفوض، أديب إسماعيل. (2026، 14 آذار). إشكالية التمديد للمجلس النيابي: تقويض الوكالة الشعبية وتأبيد السلطة. المفكّرة القانونية.
- الوكالة الوطنية للإعلام. (2022، 20 تشرين الأول). المجلس الدستوري رد 5 طعون بالانتخابات النيابية. بيروت.
ثانياً: المراجع الفقهية والدولية (المعرّبة)
- الاتحاد الأوروبي. (2016). كتيب مراقبة وسائل الإعلام في بعثات الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات. بروكسل: منشورات الاتحاد الأوروبي.
- الاتحاد الأوروبي. (2024). قانون الخدمات الرقمية(DSA): حماية النزاهة الديمقراطية في الفضاء الإلكتروني. بروكسل.
- بركة، إدموند. (2005). القانون الدستوري والمؤسسات السياسية. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية.
- بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات. (2022). الانتخابات النيابية اللبنانية – 15 أيار 2022: التقرير النهائي. بروكسل.
- خليل، محسن. (2005). القضاء الدستوري والرقابة على دستورية القوانين في لبنان. بيروت: دار النهضة العربية.
- رباط، إدموند. (1982). الوسيط في القانون الدستوري اللبناني. بيروت: دار العلم للملايين.
- شكر، زهير. (2012). الوسيط في القانون الدستوري اللبناني: دراسة مقارنة. بيروت: دار النهضة العربية.
- لجنة البندقية (اللجنة الأوروبية للديمقراطية عن طريق القانون). (2022). مدونة قواعد السلوك الجيد في الشؤون الانتخابية: المبادئ التوجيهية والتقرير التوضيحي. ستراسبورغ: مجلس أوروبا.
- مسرة، أنطوان. (1997). البنية الدستورية والسياسية في لبنان: مقاربة سوسيولوجية قانونية. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
- المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (International IDEA). إدارة الانتخابات: تصميم الهيئات الانتخابية وإدارتها. ستوكهولم.
- المنظمة الدولية للنظم الانتخابية (IFES). دليل تصميم الإدارة الانتخابية: المبادئ والممارسات. واشنطن العاصمة.
- اليونسكو. (2022). الانتخابات في العصر الرقمي: دليل للمسؤولين عن إدارة الانتخابات. باريس: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.
***