مقالة: لمى الحاج حسن
لم يلتقطِ اللبنانيونَ أنفاسهُم بعدُ من حرب العام 2024، حتى عاد شبحُها مرةً أخرى، ليُنهي آخرَ ما تبقّى لهُم من أملٍ في حياةٍ داخلَ هذا البلد. لكن هذه المرة، تعالت أصوات الطائفية بشكلٍ غير مسبوق، لتُذكِّرنا بالأصوات التي صدحت في نيسان العام 1975، التي لامست آذانَ كل اللبنانيين دون استثناءٍ. وكان للمحرِّضين دورٌ فاعلٌ في تأجيجِ نارِ الحقدِ وصُنع بؤرةٍ من العنصريةِ، وذلكَ لأهدافٍ شخصيةٍ بحتةٍ. فكُلُّ فريقٍ حاولَ اغتنامَ الفرصةِ ليُمسكَ بالعصب، ويُلبِسَ طائفتَهُ ثوبَ المظلوميَّةِ على حسابِ طائفةٍ أُخرى، طمعًا بكرسيِّ سُلطةٍ موعودٍ آخِرَ النَّفق. لكن أحدًا لم يعرف أن هذا النّفق طويل ونهايتُهُ حائطٌ مسدودٌ عليهِ دماءُ من ارتقى من شعبٍ كان يحلُمُ فقط بعيشةٍ كريمةٍ على أرضهِ وبينَ أبناءِ وطنٍ يرونَهُ إنسانًا “لبنانيًّا”، أولاً وأخيرًا.
عادتِ الحربُ، لكن هذهِ المرة ليسَت كباقي المرات، ففي البقاع كان قد نزحَ كثيرون في الحربِ الماضيةِ إلى بيروتَ وجبلِ لبنان وطرابلس، خوفًا من القصفِ الذي طالَ منطقتهم. لكنَّ صوتَ الطَّائفيةِ هذه المرة شكَّلَ حاجزًا من الخوفِ، خوفٌ من أن يتمَّ طردُهُم أو محاولة إذلالِهم، فبقِيَ معظمُهم في منازلِهم. والقلَّةُ القليلةُ نزحَت محاولةً إيجادَ مأوى لها رغمَ الصِّعاب.
تروي “آية”، فتاةٌ من بلدةِ “حوشِ الرافقة”، ما حصلَ لها ولِعائلتها في اليومِ الأوّلِ من هذه الحرب، تَقول: “خرجتِ الصّواريخُ السِّتةُ من لبنانَ، كُنا في حالةِ صدمةٍ، إذ لم نكُن نتوقع أن تعودَ الحربُ مرّةً أُخرى. لم تمضِ ساعاتٌ، حتى خرجَ المُتحدِّثُ الرّسميُ للجيشِ الإسرائيلي، بقائمةٍ من أسماء البلداتِ التي سيقصِفونَها. بدأ أخي يعدُّها واحدةً تلوَ الأُخرى، وفجأةً مرَّ اسمُ بلدتنا “حوش الرافقة”. نظرنا إلى بعضِنا البعض ولم نكن للوهلةِ الأولى نعرِفُ ما علينا فِعلُه بعد هذا الخبر، فالمكان الذي لجأنا إليهِ في الحربِ الماضيةِ لم يعُد مُتاحاً، حُظِرَ بالمُطلق. منّا من اقترح أن نلجأَ إلى فُندق، ومنا من اقترح أن نبقى في البيت، فالبناية التي نعيشُ فيها آمنةٌ وليس فيها ما يثيرُ الشُّبُهات، أو يجعلها معرضةً للقصف. لكن في النهاية قرّرنا أن نخرُجَ وتوجّهنا إلى الفندق، لأننا اعتدنا على عدُوّنا، غادِرٌ لا يأبه، ولا يسعى سوى لإلحاق الخرابِ والأذى، مُتذرِّعًا دائمًا بوجودِ أسلحةٍ وإلى ما هُنالِك من رواياتٍ مزيفةٍ. في الطريقِ، وجدنا سيّارات أبناء البلدة، مصفوفة على جوانب الطرقات الرئيسية، وكلٌّ يبيتُ مع عائلتِهِ داخلَ السيارة، فلا مكان يلجأون إليه، وحرب العام 2024 لم تترك نقودًا في جيوبِهم. لم تنم أعينُنا في تلك الليلة، حلَّ الصباح ولم يُنفّذ العدو بعد تهديدَهُ، ولم يقصِف أيَّ مبنى أو منزل في البقاع. فاتجه أخَوانِ لي ومعهما أمي، لاغتنامِ الوقتِ وإحضارِ بعضِ الملابسِ والحاجياتِ من المنزل، ثم العودة إلى الفندق. غادر أخَواي بعد أن أحضرا ما يلزمهما من بيتنا، لكن أمي، التي كانت تعاني من مرض السَّرطان، قررتِ البقاءَ أكثر، أخبرَتهُما أنَّها ستُحضِّرُ طبخةً صغيرةً لنا ثُمَّ ستَلحَقُ بهما، لأن طعامَ الفندق لم يستهونا. لم نكن لنقبلَ ببقائها لكنها أصرّت معتبرةً أنّها مسألةُ وقتٍ قصير لا أكثر، والعدوُّ لم يقصِف القريةَ طوالَ اللَّيل، ما يتيحُ لها متَّسعًا من الوقتِ لطبخةٍ. وبينما كان أخواي في طريق العودة، سُمِعَ هديرُ الطائراتِ الحربيّة، ثُمّ بعد ذلكَ صوتُ قصفٍ رهيبٍ. فجأةً، بدأت هواتِفُنا ترِنّ، اتصالاتٌ ومكالماتٌ ورسائل صوتية متتالية، حالُنا حال كل من لديه منزل في هذا المبنى، شعرتُ بانقباضةٍ في صدري، شعورٌ لم يكُن لِيُخالجني قبلُ قَط. كانت الاتصالاتُ من جميعِ الأقاربِ والمعارف، لكن هاتف واحد لم يرِن، هاتفُ أمي، التي كانت وحدها داخل المبنى، كان خارجَ الخدمة. بعد وقت قصير، أتى خبرُ استشهادها، استشهادُ “لورونس”، الأمُّ الحنونةُ المضحية، وجارةُ الرِّضا، المرأةُ التي كان الجميع يعرفُها بطيبةِ قلبِها، الإنسانةُ التي حاربت مرضها بشجاعةٍ وبقيت روحها رغم الألم مرحةً. ربما تلك اللَّحظة، كانت كفيلةً بأن يخفُتَ فيها صوتُ قلبي للأبد”.
هذِه قصةٌ من آلافِ القصصِ التي ألقتِ الحزنَ في القلوبِ، وبينَ البيوتِ والشوارعِ في البِقاعِ. قصةٌ من آلافِ القصصِ عن أشخاصٍ قضوا وهُم يحاولونَ صُنعَ القليلِ من الحُب لمن حولِهم في هذا البلد. قصةٌ من آلاف القصصِ لمن قُرِّرَ لهم أن تنتهي حياتُهم دون أن يقترفوا ذنبًا واحدًا. أبرياءُ في أماكن الخذلان والواقعِ المرير، بينَ عدُوٍّ غاشِم يتربَّصُ لهُم، ورائحة الطائفيَّةِ التي تنبعثُ من بعض من يُسمّونَ أنفُسهم لبنانيين ويتغنون بوطنيّة ملغومة. ماذا لو أن “لورونس” خرجَت مع عائلتِها إلى ذلك المكانِ الذي أوَت إليهِ في الحربِ السابقةِ، حيثُ كان باستطاعتِها تحضيرُ طبخةِ أولادِها دونَ أن يكلِّفها ذلكَ روحها؟ ماذا لو أنها الآن بين أولادِها تمارسُ حقها في الحياة دون أن يُسلبَ منها بلا أيِّ ذنبٍ؟ لكن “ماذا لو؟” لن تُعيدَ لورونس، ولن تغفرَ خطيئةَ من كان السببَ بكُلِّ ما حدث.
“ماذا لو؟” لن تعيدَ آلافَ اللُّبنانيينَ، ولن تُسكِتَ الألَم الذي لا يزالُ حتّى اليوم يصرُخُ في قلوبِ الفاقدين، ولن تُزيحَ شبحَ الموتِ الذي خيَّم في سماءِ لبنان.
منذُ وقفِ إطلاقِ النّار الهشّ، وأصواتُ الطائفيةِ والعنصريةِ تتعالى أكثرَ فأكثر. يُطردُ العاملونَ من أماكنِ عملهم بسبب مذهبهم، وتُطردُ عائلةٌ من مكانِ نزوحِها خوفًا من استهدافه. يعودُ أشخاصٌ إلى قُراهم رغمَ خُطورة الوضع، غير آبهين، ليحافظوا فقط على ما تبقى لهم من كرامةٍ وماءِ الوجه. كيف يحدُثُ كلُّ ذلِكَ في وطنِ الإنسان؟ في المكانِ الذي وُلدَ فيه، وتربّى فيه، وعاشَ في حناياه؟ كيف حصلَ كل ُّذلك في المكانِ الذي أحبّ؟
***