افتتاحية العدد 30 من مجلة تواصل مدني

0

يمرّ لبنان في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة بمنعطفٍ خطير، تتقاطع فيه النيران الخارجية مع التصدعات الداخلية؛ ويقف عنده مصير البلاد، على وقع أزمات مركبّة تضرب بنيان الدولة والمجتمع في آن واحد.

باسل عبدالله وأديب محفوض

في صدارة هذا المشهد المأساوي، تبرز الكارثة الإنسانية والوطنية الناتجة عن الحرب التي يشنها العدو الإسرائيلي؛ وهي التي تتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية لتحصد البشر، وتلتهم الحجر والعمران، وتُحدث دماراً بيئياً طويل الأمد يهدد مقومات الحياة من الجنوب وصولاً إلى بيروت.

وفي موازاة هذا العدوان المُدمّر، يكشف المشهد الداخلي عن مأزق حاد؛ حيث  دقت الفتنة الأبواب وتضاعفت الانقسامات بين الأفرقاء على الساحة الوطنية، وأسهمت الحرب في تعرية الانكشاف العميق للواقع الاجتماعي والسياسي والطائفي اللبناني، دافعةً بالبلاد نحو التنافر الذي قد يهدد ما تبقى من تماسك في الهوية الجامعة.

وفي سياق التطورات الأمنية وارتفاع الخطاب الطائفي، يأتي الانكسار الدستوري المتمثل في مسألة التمديد للمجلس النيابي.  حيث تّستّر هذا التمديد بالظروف القاهرة، فشكل انتكاسة كبرى للوكالة الشعبية؛ وأدّى إلى  الإبقاء على الطبقة السياسية ذاتها وتأبيد الواقع السياسي المأزوم، مع ما يرافقه من حرمانٍ مُتعمد للشعب اللبناني من حقه الدستوري والأخلاقي في محاسبة السلطة القائمة. وتتعاظم خطورة هذا الحرمان بالنظر إلى أن الولاية المنصرمة كانت حافلة بأحداث مفصلية، وتطورات جسام، ومنعطفات خطيرة، كان يُفترض أن تشكل محطة دورية للمساءلة وتجديد النخب!

إنّ الأحداث التي يمر بها الوطن اليوم تكشف عن مأزق بنيوي شامل يتجاوز تفاصيل التعطيل الدستوري؛ حيث بات لبنان ضحية حرب همجية تخاض عليه من قبل العدو الاسرائيلي، ورهينة قرارات ومسارات داخلية مُرتبطة بالخارج، ناهيك عن واقع داخلي مأزوم محكوم بالتناحر الطائفي والتفكك الاجتماعي والتحلل المؤسساتي.

إن الأزمة في عمقها ليست مجرد عجز عن إجراء استحقاق أو لجوء إلى تمديد، بل هي انكشاف تاريخي لمنظومة سياسية وثقافية تستسهل تجميد الزمن، وتعميق الانقسامات العمودية، وإلغاء آليات المحاسبة الدستورية والسياسية عند أدق المنعطفات المصيرية، مما يحرم المجتمع من فرصة مراجعة خياراته وتجديد نخبّه. هذا التزامن الفادح بين التدمير الخارجي والتهافت الداخلي يضع فكرة الدولة والهوية الجامعة أمام اختبار وجودي عسير؛ إذ يثبت أن حماية لبنان لم تعد تنفصل عن ضرورة التفكيك الجذري لبنى المحاصصة والولاءات الفرعية، كشرطٍ إلزامي ومستعجل للانتقال من واقع الارتهان والأزمات المؤبدة إلى رحاب السيادة الحقيقية وبناء الدولة الحاضنة.

Share.

About Author

باسل عبدالله - مسؤول تحرير مجلة تواصل مدني

Comments are closed.