تحقيق “تواصل مدني” حول شارع الحمرا في بيروت

0

شارع الحمرا في بيروت بين الماضي والحاضر والمستقبل …

تحقيق غيدا فياض

تصوير بلال يوسف 

 

هو شارعٌ ذائع الصيت، تجدهُ ساعة ما زُرته، ليلاً أو نهاراً، ينبض بالحياة. نساءٌ ورجال مِـن مـخــتــلـف الأعــمــــار والجنـسـيـات يَرتادُون شارع الحمرا، كلٌ منهم يبحث عن مقصده أو سَلوَتِه أو موعد أو لقاء، كلٌ منهم يُحب هذا الشارع الذي يجمع بتنوعه مُختلف الخلفيات الاجتماعية والثقافية ويُشكّل منذ ستينات القرن الماضي مُلتقى دائم لزائريه من لبنان ومن مختلف دول العالم.

يجمع شارع الحمرا بين المرافق العامة والمؤسسات الاقتصادية والجامعات والمكتبات من جهة، وبين الأسواق التجارية والمقاهي والمطاعم والحانات والفنادق من جهة أخرى، فيستقطب بالتالي، على مدار ساعات اليوم، المُتسوقين والسواح والمُثقفين وهواة السهر. ورغم المُنافسة التي تلقاها هذا الشارع مِن شوارع أخرى في المدينة على مدى سنوات، كشوارع فردان ومُونو والجميزة ومار مخايل، غير أنّه بقي الشارع المميز الذي يضم تنوعاً كبيراً في الوجوه والفئات الاجتماعية، مما حفظ استمراريته وديناميكية علاقته بالناس طوال هذه السنوات.

قصَدَت أسرة نشرة “تواصل مدني” شارع الحمرا ليلاً لتستطلع أجواء زوّاره، ولتسأل مُرتاديه عما يجذبُهم في هذا الشارع ولتستكشف ماذا تغير فيه بين الأمس واليوم، وماذا ينتظره في المستقبل.

يقول فادي: “الشارع يجمع بين السوق التجاري والمقاهي والمكتبات وبالتالي يمكن أن ترتاده في أي وقت”. من جهتها فدى السمراني إحدى رواد الشارع، وهي ناشطة في نوادي ثقافية عديدة تقول: “كنت أعيش في شارع الجاندارك في الحمرا لسنوات، وعندما تركت الحمرا إلى الاشرفية لم أستطع مفارقة هذا الشارع بمقاهيه وأجوائه. في الحمرا مزيج .. خلطة من الناس .. هو سحر يميز هذا الشارع، كنا هنا نقضي أوقات فراغنا، حتى أننا نستكمل أعمالنا ونحن جالسون في المقهى، كنا نشعر في سنوات سابقة أن المقهى هو امتداد للبيت، كنا نلتقي في بعض المقاهي كالـ “المودكا” و”الريغوستو” و”ة” أصدقاءنا ورفاقنا دون مواعيد سابقة ونشعر أن المقهى لنا، حتى أننا نظمنا نشاطات في بعض المقاهي منها عروضات أفلام وأمسيات شعرية وغنائية”. وتضيف فدى : “الآن اصبح هنالك عجقة مقاهي ربما ضاعت هوية الحمرا قليلاً، لكن الحمرا تبقى باختلاطها الاجتماعي والديني مميزة”.

مايا فتاة التقيناها في الشارع تقول: “نأتي لندرس ولنسهر، وهنالك تنوع اجتماعي هنا، يمكن أن تجدوا كل أشكال الناس، أجد بيئتي في الحمرا، حتى أن وجود بعض الفنانين الذين يعزفون على الطرقات أغنى الشارع أكثر”.

في الساحات الواسعة لبعض الأرصفة تجد شباباً يُمارسون بعض الألعاب البهلوانية والرياضية أو يتزلجون على مزاليج بدواليب، بهاء ومحمود مِن هؤلاء، يقولان حين سألناهما عن الشارع: “نُحب أن نمارس هوايتنا هنا، عادة ما نجيء في المساء، فنلفت انتباه كُثر من المارة، ونتابع بعض الحلقات الموسيقية التي ينظمها بعض الشباب على الرصيف”.

يارا وفرح تتوافقان على أن الحمرا “أجمل وأروق” مِن الشوارع السياحيّة الأخرى في بيروت، ولذلك هما ترتادان شارع الحمرا باستمرار مع أصدقائهما. أما أحد السواح المواظبين على ارتياد شارع الحمرا منذ زمن وفي كل زيارة له إلى لبنان يُخبرنا أنّه يحب هذا الشارع منذ أيام السبعينات.. أيام مقهى الـ “ومبي” الذي أقفل. يقول “إذا جئت إلى بيروت ولم أزُر الحمرا أشعر كأنني لم آتي إلى لبنان، هنالك ارتباط روحي بالحمرا، كنّا نجتمع مع نخب من الأدباء والشعراء في بعض المقاهي التي أقفِل مُعظمها اليوم”.

تتنوع اللهجات في شارع الحمرا، فإضافة إلى السواح العرب الذين يرتادون هذا الشارع، استقبلت الحمرا في السنوات الأخيرة عدداً كبيراً من الرواد السوريين ومَردُّ ذلك نزوح عدد كبير من السوريين إلى لبنان إثر الأزمة السورية .يُعلّق أحد المارة مُنتقداً فيقول “عجقة كبيرة.. لم نعد نعرف أحداً، أغلب الناس غير لبنانيين”، بينما يرى أحد سكان الحمرا أنّ وجود هذا التنوع دليل على أنّ “الحمرا مفتوحة للجميع، وهذه إحدى مُميزات الشارع”.

في أحد المقاهي المُطلة على الشارع الرئيسي مباشرة، التقينا الكاتب والصحافي سركيس أبو زيد أحد رواد شارع الحمرا الدائمين، فسألناه عما أتى به إلى شارع الحمرا وعما تغيّر في هذا الشارع منذ السبعينات إلى اليوم، وماذا بقي من طابع الشارع الثقافي، فأجابنا: “أذكر أنني كنت تلميذ مدرسة الفرير في طرابلس، وكنت أهرب إلى الحمرا عندما أستطيع، فقد كان لهذا الشارع نوع من الفانتازيا .. الحلم .. هو مكان فيه اختلاط جو ثقافي وشبابي مميز، فيه مؤسسات رسمية ومؤسسات إعلامية، كان مقهى الـ “هورس شو” يجمع مثقفين وصحافيين ومسرحيين من جميع المناطق، أذكر أن الفنانة نضال الأشقر قامت بعرض إحدى مسرحياتها في الشارع وبين الناس بعد أن مُنِعت مِن عرضها في أحد المسارح، كان هذا الجو يَشدُّنا. ضمت الحمرا أماكن ثقافية كالبيكاديلي التي استقبلت أحد المسارح. ولا شك أنّ طبيعة شارع الحمرا المفتوح والمُستقيم ساعد في ازدهاره”. ويُضيف: “الحمرا استعادت حيويتها آخر سنتين. والآن هنالك مسرح المدينة ومسرح بابل وغيرهما من المسارح في الحمرا التي تستقبل أهم العروضات الثقافية في البلد، وهنالك مراكز تستقبل ندوات وحوارات كالندوة الثقافية، كما نجد عدة معارض رسم فيه”. وبسؤاله عن مدى تأثير غياب بعض المقاهي العريقة التي كانت تجمع عدداً كبيراً من المُثقفين، أجابنا: “صحيح أنّ عدداً من هذه المقاهي أقفلت كالـ “كافيه دو باري” والـ “مودكا” و”الهورس شو” والـ “الروكسي”، غير أنّ مقاهٍ أخرى ذات طابع ثقافي ظهرت اليوم وبعضها يضم مكتبات ويستقبل ندوات وأمسيات شعريّة كالـ “ة” والـ “مترو”. أضاف: “أنا مع الحداثة، لا يمكن وقف التطور، أنا بالطبع مع المحافظة على الأماكن التي لها طابع أثري، غير أنني لا يمكنني أن أرفض إقفال مقهىً لأنني اعتدت ارتياده دائماً، كل شيء تطور وحتى شكل وطابع المقاهي، وأظن أنه ما زال للثقافة مكانتها الخاصة في الحمرا ومُستقبل زاهر بوجود المراكز الثقافية والمسارح والمعارض وبوجود مقاهي من نوع جديد لها طابع ثقابي شبابي”.

يبقى لشارع الحمرا اليوم رونقه وسحره اللذان يُميزاه عن جميع شوارع بيروت ويجعلانه ملتقى الناس من جميع الأطياف والطبقات الإجتماعية، كما يبقى هذا الشارع، شارع التنوع الثقافي، ويبقى مُستقبَله في هذا المجال مُطمئناً ويُبَشّر بالخير في ظل وجود شباب مُتحمِّس يحمل على طريقته الإرث الثقافي لهذا الشارع ويُقدّمه بشكل وطابع جديدين يساهمان في وصوله إلى عدد أكبر من المُتابعين وشرائح أكثر تنوعاً من الناس في المجتمع.

Share.

About Author

باسل عبدالله - تواصل مدني

Comments are closed.