مجلة تواصل مدني- العدد 7- آراء حرة- خواطر- لمى قطيش

0

مجلة تواصل مدني – العدد716- عن شهر 5/2013- صفحة “آراء حرة”- خواطر-  لمى قطيش

فيضٌ من كبرياء- خواطر- لمى قطيش

أسير وروحي دليل مرادي، أنقب في عيناي عن ذكريات طمرت في قعر البعد والمجهول، أبحث عن الضحك في أكياس الدموع، وعن العيش الرغيد في اوهام بؤس الرشاد، فكنت نهرًا تشكي العصافير على صفتيه العطش للجراد، كنت مثلمًا يلف الجراح، فتنزف عوض الدماء قمحًا محال الحصاد.

عن أوطاني لئن حدثتكم خجلت، فما كان فيها كان، عهدها عهد العفن، أثقلت الأرض شقاقًا، والسماوات نفاقًا، ملئت الدنيا فساد. ادّرعوا الإيمان لبقايا الجاهلية، زرعوا آثامهم ما بين النيل والفرات، والشام وعدن، وأعادوا استبدال الله بـ”لات”، وهدّدونا بالجبت والطاغوت، وعزّة ومناة، نبي الله خذلوه، وروح الله صلبوه، والإمام قتلوه، فصار قاضي القضاة، يقضي وفق أهواء الطغاة، كلّ حرّ صار في أرضي معذّب، جسّدوا الله سلطانًا صغيرًا، قزّموه، جعلوه فارسًا ولتعظيم القصية، كي يصير الخوف بحجم المصير، أسروه في الحروب القبلية، حرّموا الخمر وراحوا يحتسون الدماء، والميتة منعوها وكلّ يشتهي لحم أخيه ميّتا، صارت أرضي معقلًا للخراب، حلّ بها بؤس المصير، حرّموا الفتنة، وجعلوا في رقعة واحدة ملايين خطوط التماس.

وبلمح البصر، صار شعبي عبدًا للغريب، شعب كالقطيع، تحدوه عصا الراعي، حين تضيع يضيع، سلبت أحلامه فبات تافهًا يعجز النور العبور في ظلامه، كلئ الذلّ من مرعًى خصيب، يخفض الهامات أحترامًا كلّما مرّ بظالم، يضع الإذعان للطغاة على رأس المكارم، صار الكفر عندنا باسم الدين حاكم. انشغلنا بالقشور ونسينا ألباب الأمور، فكسونا هوامش التاريخ أشلاءً، وملأنا القبور..

كان في الماضي البعيد، تربة طاهرة كوجه السما، حصاها من الأنجم استمدت سناها، فما دهاها؟ بدّلت لون السماء، سفكت فيها الدماء، أحرقتها بلهيب جهنّم، كلّ ما فيها تغيّر، صارت رقعها معسكر، غيّرت شعارها من: “لا إله إلا الله والله أكبر” فصار شعارها: “لا إله غيره والمال أكبر”.  جعلت الغدر نبراسًا، ونهجًا تقتفيه، ورفعت الذلّ متراسًا، فأرجعوا الباب لخيبر، لم تعد مثوى لحيدر، وبيت لحم حالت حائط مبكى، فالظلم ابن الله، والجاني يسوع، هذه القدس كرهتنا عندما كانت تجوع، رأتنا نمنح كلامًا لا يقيها الجوع، لا يكسو العراة، رأتنا مترفين عندما كان رسلها حفاة..

أي شعب نحن من بين الشعوب، نبيع ثرانا الطاهرة نلقّبها بالعاهرة…

ليت شعاراتي تغسل هذه الذنوب، تقتل نفسي الحقيرة، تأمرني أن أتوب.. تضع أوهامي في توابيت سهيدة، في نعوش من حجارة.. أيّ أقمار تعالت في الجباه العالية، راحت تهدم الماضي العريق، ترمي بلادي في أعماق الهاوية أسأل نفسي فخارًا، فلا جواب! أسأل عن أصلي وفصلي، ماذا أقول؟ عند الغريب يسيل السلسبيل، فمن أيّ نتن أشرب؟ لقد طلبت قربه فخبت ولم أقترب.. هو امتطى أوجاعه ودماره ورمم ما انهدم وأنا إلى جهلي أهرب…

كفانا نحتسي خمرة الوهم العتيق، ونلعن في الليل القمر، وفي الفجر البريق.. فلنسر على الشوك حفاة، لئن استحال عندنا طلوع الفجر قلنا أنّه: آتٍ..آت… فلنطلب صبحًا ونهتدي طريقة ولنتحدى بالثبات.. ربّما قد يشاء القدر أن يسوقنا يومًا إلى حيث نستحق الحياة…

Share.

About Author

باسل عبدالله - مسؤول تحرير مجلة تواصل مدني

Comments are closed.