مزارع شبعا بين الواقع والقانون

0

ملاك دعكور

تقع مزارع شبعا في الجزء الجنوبي الشرقي من منطقة العرقوب على مثلث الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة، وتمتد أراضيها من قمة الزلقا أي ثاني أعلى قمة في جبل الشيخ انحدارًا إلى تل القاضي في سهل الحولة. يبلغ معدل طولها من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي 25 كم ومعدل عرضها 8 كلم من بلدة كفرشوبا شمالاً حتى بلدة جباتة الزيت جنوبًا حيث تصل مساحتها إلى حوالي 200 كلم متر مربع موزّعة على 15 مزرعة على الشكل الآتي: 

مغر شبعا (250 منزلا)

زبدين (175 منزلا)

قفوة (180 منزلا)

رمثا (120 منزلا)

برختا التحتا (150 منزلا)

برختا الفوقا (125 منزلا)

مراح الملول (110 منازل)

فشكول (75 منزلا)

خلة غزالة (90 منزلا)

رويسة القرن (90 منزلا)

جورة العقارب (78 منزلا) 

الربعة (60 منزلا)

بيت البراق (30 منزلا)

كفردورة (25 منزلا)

بسطرة (60 منزلا) والتي استحدثها المهجرون من المزارع خارج الأسلاك الشائكة التي اقتطع بها المُحتلون المزارع الأربعة عشر المذكورة أعلاه. 

لا بد من الإشارة، إلى أنّ المزارع تُشرِف على هضبة الجولان ومنطقة حرمون ودمشق في سوريا، وسهل الحولة والجليل في فلسطين، وجبل عامل وسهل البقاع في لبنان.

بتاريخ 6 حزيران 1967 اندلعت الحرب العربية الاسرائيلية (حرب الأيام الستة)، ولم يكن لبنان طرفًا فيها. وكان من ضمن ما احتله العدو خلال هذه الحرب هضبة الجولان السورية المجاورة للمنطقة التي تقع فيها مزارع شبعا عند الحدود الجنوبية الشرقية للبنان.

بعد أيام قليلة من انتهاء تلك الحرب وتحديدًا بعد 15 حزيران عام 1967، بدأت الاعتداءات الإسرائيلية على المزارع من خلال شن هجمات ضد الأهالي من أجل تهجيرهم منها على مراحل هي:

المرحلة الأولى: صباح يوم 15 حزيران 1967، وفيه اجتاح جيش الاحتلال الإسرائيلي مزارع: مغر شبعا، خلة غزالة، ضهر البيدر، رويسة القرن، جورة العقارب وفشكول، وجمع السكان في مزرعة فشكول وأخضعهم للتحقيق والتعذيب والتنكيل. أدّت المواجهات يومها مع الأهالي إلى استشهاد المواطن شحادة أحمد موسى، وهو من أهالي مزرعة جورة العقارب وإصابة أكثر من 10 أشخاص بجروح، وتم إجبار المزارعين على إخلاء مزارعهم.

المرحلة الثانية: يوم 20 حزيران 1967، وفيه وسّعت القوات الإسرائيلية احتلالها ليصل إلى مزرعة قفوة، زبدين والرمتا. وقد تعرّض سكان هذه المزارع للممارسات نفسها، حيث أسر العدو العشرات وزجّ بهم في السجون الإسرائيلية وطرد أصحاب هذه المزارع بعد مصادرة مواشيهم ومحاصيلهم.

المرحلة الثالثة: بدأت في 25 حزيران حيث اجتاحت القوات الإسرائيلية ما تبقى من مزارع شبعا أي الربعة، بيت البراق، برختا التحتا، برختا الفوقا، مراح الملول. ولقي الأهالي نفس مصير إخوانهم المهجرين من قبلهم.

المرحلة الرابعة: بتاريخ 26 حزيران 1967، الساعة الواحدة بعد الظهر، فجّرت القوات الاسرائيلية جميع المنازل والآبار وزرائب المواشي في كل المزارع من مغر شبعا حتى مراح الملول.

المرحلة الخامسة: في آب 1967، أحرقت قوات العدو الحقول والبساتين وأجزاء واسعة من الغابات وعبثت بمقام “مشهد الطير” وهو مقام النبي إبراهيم.

بتاريخ 22 تشرين الثاني عام 1967، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 242 الذي طالب العدو بالإنسحاب من جميع الأراضي العربية التي احتلها.

عندما اندلعت الحرب العربية – الإسرائيلية في تشرين الثاني 1973، والتي لم يكن لبنان أيضًا طرفًا فيها، قام العدو باحتلال بعض المواقع اللبنانية في منطقة مزارع شبعا.

بتاريخ 22 تشرين الأول 1973، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 338 الذي لم يشر إلى أية أراضي لبنانية محتلة. كما لم يصدر حينها أيُّ رد فعلٍ من السلطات الرسمية اللبنانية.

بتاريخ  9 آذار 1978، ونتيجةً لاحتلال العدو لجنوب لبنان عام 1978 بما فيها المناطق المتبقية من مزارع شبعا، صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 والذي نصّ على انسحاب  العدو من الأراضي اللبنانية.

بتاريخ 25 أيار 2000، وعلى أثر انسحاب العدو من جنوب لبنان، طبقًا للقرار رقم 425 الصادر في العام 1978، شَكّلت الأمم المتحدة لجنة سياسية عسكرية قانونية تقنية برئاسة السفير(تيري رود لارسن) لمراقبة تنفيذ القرار والتحقق من انسحاب العدو إلى ما وراء حدود لبنان الجنوبية الشرقية المُعترَف بها دوليًا. وهنا تجدر الإشارة، إلى أنً المشكلة الأساسية تكمن في عدم ترسيم الحدود الدولية اللبنانية السورية، بحيث واجهت اللجنة الدولية صعوبات في هذا الأمر. فقد طلبت اللجنة من لبنان ومن العدو بصفته المحتل  للأراضي السورية المجاورة للبنان، أن يُقدِّما ما لديهما من وثائق ومستندات تُبيِّن الوضع الصحيح لخط الحدود. فقدّم لبنان المستندات التي تبين خط الحدود بما يضع منطقة مزارع شبعا داخل الأراضي اللبنانية، ووافقته سوريا في ذلك، بينما رفضه الكيان الصهيوني بحجة أنٌه تمً احتلال المنطقة قبل العام 1978، وبالتالي فإنها خاضعة للقرار رقم 242 الصادر عام 1967، وليس للقرار رقم 425 الصادر عام 1978.

إزاء هذا الاختلاف بين الجانبين، جاء رأي لجنة الأمم المتحدة بما يدعم موقف العدو على اعتبار أن منطقة المزارع لوحظت في خرائط فض الاشتباك في الجولان، وبالتالي فإنّ الصلاحية تكون فيها لقوات الأمم لفض الاشتباك في الجولان (أندوف)United nations disengagement observer force (UNDOF) والتي نص عليها القرار رقم 242، وليس لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في الجنوب (اليونيفيل) UNIFIL)) United nations interim force in Lebanon والتي نصّ عليها القرار رقم 425. 

ولأنّ مهمّة اللجنة تكمن في مراقبة تنفيذ القرار رقم 425، ولم يدخل ضمن صلاحياتها إخلاء منطقة مزارع شبعا،  قامت اللجنة برسم خط الانسحاب الذي سمي بالخط الأزرق أو خط لارسن ليضمّ منطقة مزارع شبعا إلى الأراضي السورية المحتلة. وقد رسم الخط على الخريطة التي أعدّتها اللجنة بشكل متقطع للدلالة على كونه مؤقتًا، وتحفّظ لبنان على هذا الخط فيما يتعلق بمنطقة المزارع، وطلب من لجنة الأمم المتّحدة إضافة عبارة “أنّ هذا الخط لا قيمة قانونية له ولا يؤثر على موقع الحدود الدولية”.

قامت اللجنة بمراقبة الانسحاب إلى ما وراء الخط الأزرق، وقد تم ذلك بشكل نهائي بتاريخ 30 آب من العام 2000. ومنذ ذلك التاريخ احتدم الجدل القانوني والسياسي حول مزارع شبعا.

إنّ قضية مزارع شبعا لا تشكّل موضوعًا لنزاعٍ حدودي سواء بين لبنان والعدو أو بين لبنان وسوريا، لأن ادّعاء لبنان سيادته على منطقة مزارع شبعا لم يُواجَه بأيّة معارضة أو ادعاء مقابل من جانب سوريا، بل على العكس، يذهب الموقف السوري إلى تأييد المطالبة اللبنانية بمنطقة المزارع وهو ما أكدته التصريحات الرسمية للمسؤولين السوريين في مناسبات عديدة (تلك التي صدرت عن الرئيس السابق بشار الأسد، أو عن وزير الخارجية السابق فاروق الشرع، إضافة إلى الكتاب الخطي الذي أبلغه مندوب سوريا الدائم لدى الامم المتحدة مخايل وهبي إلى الأمين العام كوفي أنان). وعلى سبيل المثال، ففي مؤتمر الحوار الوطني الذي حصل بتاريخ 14 اذار 2006، أكّد المشاركون دعمهم لكل الاتصالات التي تجريها الحكومة اللبنانية لتثبيت هوية مزارع شبعا. 

يُطرح هنا السؤال التالي: هل للتصريحات الرسمية الصادرة عن المسؤولين السوريين قيمة مساوية للقيمة القانونيّة التي تنطوي عليها الوثائق المكتوبة؟

بالاستناد إلى سوابق الإجتهاد الدولي، يبدو أنّ طابع الإلتزام والإلزام في تصريحات المسؤولين أصبح من القواعد الراسخة في أحكام محكمة العدل الدولية (النزاع الحاصل بين النروج والدنمارك).

ولكن، لم يتبنَ مجلس الأمن في قراره رقم 1701 الطلب اللبناني، كما لم يعتد بالإقرار السوري، واكتفى باعتبار مزارع شبعا من “مناطق الحدود المتنازع عليها أو غير المؤكدة”.

وهنا لا بد من التوضيح إلى أنّه انطلاقًا مما سبق، ومما سنُدلي به، فإن السيادة اللبنانية على مزارع شبعا ثابتةلأن منطقة المزارع كانت تحت السيادة اللبنانية وقت حصول لبنان على استقلاله عن الانتداب الفرنسي طبقًا للسند القانوني الصادر من قبل سلطة الانتداب وهو القرار رقم 318 لعام 1920، والذي اعتبَر منطقة مزارع شبعا جزءاً من لبنان. 

هذا وقدلاحظنا العديد من التصرفات الصادرة عن السلطات العامة اللبنانية التي تُعَدُّ تعبيرًا عن ممارسة الدولة اللبنانية لمظاهر سيادتها بأسلوب ثابت ومنتظم على منطقة المزارع، منها:

– إصدار سندات الملكية من قبل الحكومة اللبنانية 

– جباية الضرائب من سكان المزارع

– تطبيق القوانين اللبنانية في منطقة المزارع وممارسة السلطة القضائية والفصل في الدعاوى الجزائية والمدنية من قبل المحاكم اللبنانية

– منح رخص البناء من قبل الحكومة اللبنانية

وغيرها من التصرفات التي تعتبر اظهارًا للسيادة اللبنانية على منطقة مزارع شبعا.  

ومن ناحية الوثائق التي تؤكد لبنانية المزارع، فإنه يمكن الإدلاء بما يلي:

– نصت المادة الأولى من الدستور اللبناني الصادر عام 1926 بعد إنشاء دولة لبنان الكبير، على أنّ حدود لبنان هي تلك المعترف بها من قبل حكومة الجمهورية الفرنسية بموجب القرار الإداري رقم 318 الصادر عام 1920 من قبل المفوض الفرنسي. وتمّ التأكيد على هذه الحدود كذلك في دستور العام 1943 بعد أن أصبح لبنان دولة مستقلة.

– تقرير الضابطين الفرنسيين النقيب ماي، والملازم الأول لاكروا والذي أرسل إلى المفوض السامي في دمشق والمستشار الإداري في لبنان الجنوبي، تقريرًا مُرفقًا باتفاقيتين مكتوبتين في العام 1934 بين سكّان جباتا الزيت (سوريا) وسكان شبعا (لبنان)، وذلك بعد وقوع خلاف بين السكان من الطرفين، أكّد بموجب هذا التقرير والإتفاقيتين على أن منطقة مزارع شبعا هي لبنانية. 

– الرسائل التي بعث بها حاكم المستعمرات الفرنسي شوفلير إلى المندوب السامي لبلاده في دمشق في العام 1939، وكذلك الرسائل التي بعث بها النقيب دوبرنانفيل إلى رئيس مركز الخدمات الخاصة في منطقة القنيطرة عام 1939، التي أكّدت أنّ مزارع شبعا هي لبنانية.

– محاضر لجان ترسيم الحدود التي شكلت في الأعوام 1934و1961 و1963 والتي أكّدت جميعها أنّ منطقة مزارع شبعا هي جزءٌ من الأراضي اللبنانية.

– القرار رقم 493 الذي أصدره رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سامي الصلح بتاريخ 24 كانون الأول من العام 2017 إلى السلطات اللبنانية في منطقة المزارع، ودعاها فيه إلى ضرورة تسجيل كل الحوادث وبذل الجهود للمحافظة على لبنانية المزارع. وكان ذلك بعد إقدام السلطات السورية على إقامة مخفر للدرك في مزارع شبعا ومحاولة فرض الجنسية السورية على سكانها.

– المذكرة التي وجّهتها الحكومة السورية إلى الحكومة اللبنانية بتاريخ 29 أيلول 1946، ردًا على مذكرة وجّهتها الحكومة اللبنانية على اثر إصدار السلطات السورية لبعض الخرائط التي وضعت مزارع شبعا داخل الأراضي السورية. وقد جاء في المذكرة أن ما حصل هو خطأ فني بحت لم يكن يقصد منه تعديل الحدود أو وضع المزارع داخل الأراضي السورية. وقد  استدعى هذا الأمر حينها، تشكيل لجنة مختلطة في العام 1949 برئاسة الأمير مجيد إرسلان وزير الدفاع اللبناني آنذاك. وقد اتفقت اللجنة على اعتبار المزارع جزءاً من لبنان.

هذه الوقائع والإثباتات تُشكل سلاحًا بيد السلطة اللبنانية للدفاع عن مزارع شبعا.

وإلى حين استعادة المزارع، أكان بتسوية شاملة بين سوريا والعدو، أو عبر ترسيم لبنان وسوريا لحدودهما، سنبقى نُؤكد على الهويّة اللبنانية لمزارع شبعا.

***

Share.

About Author

باسل عبدالله - مسؤول تحرير مجلة تواصل مدني

Comments are closed.