الشرق الأوسط على صفيح ساخن، وشعوب المنطقة دومًا هم الضحية، من فلسطين، إلى لبنان، إلى سوريا، إلى العراق…
جرحُ الشعب الفلسطيني ينزف، وأطفال غزة يموتون، والعالمُ مُتفرج، حائر، يبحث عن مُبررات يحمي بها حصيلة ما أنتجه ورفعه في القرنين الأخيرين من شرعٍ ومواثيقَ عالميّة لحقوق الإنسان، ومن قيم إنسانيّة أصبح مصيرها على المحك!
في سوريا، نظامٌ دكتاتوري ينهار، بعد سنوات من الظلم والجور، ليحُلَّ محلّه نظامٌ “إسلامي”، لم يُنتج حتى اليوم سوى الخوف بدل الأمل ببناء دولة العدالة والمساواة. نظامٌ يحاول جاهدًا إرضاء وكسب ثقة الغرب، في وقتٍ تسيلُ على أرضه دماء المذابح الطائفية والتفجيرات الانتحاريّة هنا وهناك.
في خضم كل ما يجري، بقي النظام الطائفيّ في لبنان صامدًا، بالمحاصصة والزبائنية، وبقي الشعب فيه هو الضحية لممارساتِ طبقةٍ سياسية حطّمت أحلامَهُ بالعيش الكريم وأوصلت البلد بنتيجة الفساد ونهب المال العام، بالتعاون مع المنظومة المصرفية، إلى انهيارٍ مالي لم يسبق له مثيل في تاريخ لبنان. كل ذلك، قبل أن تضع الحرب أوزارها، بعد فتح حزب الله جبهة إسناد غزّة، واستغلال إسرائيل الفرصة لشن عدوان أوقع آلاف الشهداء والجرحى، وطال العديد من المدن والقرى، مُدَمِّرًا بعضها تدميرًا كاملاً.
كل ذلك، على وقع حربٍ اندلعت ثم خمدت، وقد تعود لتندلع من جديد بين إسرائيل وإيران بحجة تطوير هذه الأخيرة لبرنامجها النووي والخوف من اقتراب امتلاكها للقنبلة النووية، وبِنِيَّة تصفية مَنبع “جبهة المُمانعة” في المنطقة. حربٌ شهد فيها العالم، للمرة الأولى، تراشقًا بالصواريخ المُدمّرة طال مدنًا كبيرة، وقرىً وأحياء ومصانع في كل من الكيان الصهيوني وإيران.
وكأنّه كُتب على هذه البقعة من العالم أن تبقى في حالة حرب وعنف ومعاناة وطائفية ومصير مجهول.
فشلت الأنظمة الايديولوجية والديكتاتورية في منطقتنا (بعثيّةً كانت أم “إسلاميّة”)، على مر عشرات السنوات، في بناء دول ديمقراطية حقيقية تحمي حقوق الإنسان وتحترم سيادة الدول المحيطة بها، بل ظلت غريبة عن هموم شعوبها، في منطقة يسعى فيها الكيان الصهيوني للسيطرة والهيمنة والاستفادة من نقاط ضعف هذه الدول.
بدورها، فشلت محاولات أصحاب المشاريع التغييرية في إحداث التغيير المنشود في النظام الطائفي اللبناني. وها هو هذا النظام، يستجدي اليوم دول العالم لمساعدته بعد نكبته الاقتصاديّة الأخيرة، وبعد الدمار الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي على لبنان. ولن تكون الاستجابة لاستجداءات زعامات لبنان، بعد كل ما حدث، إلا بفرض الكثير من التّنازلات، والشروط القاسية!
النظام الطائفي أثبت فشله في لبنان، كما أثبتت الأنظمة الايديولوجية والديكتاتوريّة فشلها في منطقتنا. وآن الأوان، لنعترف بأنّ أصحاب المشروع التغييري في لبنان ما زالوا ضعيفي العود، وبحاجة إلى المزيد من العمل المشترك على برنامج موحد جامع لبناء الدولة، دولة المواطنة التي تساوي بين الأفراد، وتعمل على التنمية الشاملة المتكاملة، وتحفظ حقوق الناس، وتحمي مِن تَنامي بِئر طائفية سياسية تضرب الانتماء الوطني.
آن الأوان للتيارات السياسية وللحركات الطلابية العلمانية والمدنية واللاطائفية في هذه الدول أن ترفع مشروع الدولة المدنية اليوم، وتطرحه كمشروعٍ إنقاذيّ بديل لأنظمةٍ مريضة تُحتضر، رفعت شعارات وطنية وهميّة أخفت بها استبداد حُكّامِها، وتخلّت عن هموم ومصالح وحاجات الناس حتى بات الفقر والقلة والرغبة بالهجرة المصير الحتمي لهؤلاء!
***