مقابلة مجلة تواصل مدني عدد 8 مع المخرج سلام الزعتري

0

أجرت المقابلة مايا مجذوب

سلام الزعتري… اسم بات مرتبطا بالابداع والتجديد التلفزيوني، وأسلوب النقد الساخر. من الاخراج السينمائي إلى الانتاج التلفزيوني، ومن تلفزيون المستقبل الى شاشة تلفزيون الجديد، انتقل سلام ليكوِّن لنفسه شخصية وبصمة خاصة به في عالم الاعلام عبر انتاج واعداد وتقديم برامج عديدة، كـ “شي أن أن”، “توب تن”، و”أقوى جوكر”، بالاضافة إلى الأفلام التلفزيونية الوثائقية. فكان لنا معه هذا اللقاء للوقوف عند دوره الاعلامي في محاربة الطائفية في لبنان والمساهمة في صنع التغيير:

انطلاقا من خبرتك الاعلامية، برأيك ما هي المادة الجديدة التي أضفتها الى التلفزيون اللبناني؟ قلة الأخلاق (ممازحا). بالدرجة الأولى، أضفنا عنصر”النقد”، وهي قيمة جوهرية نراها عامة مغيبة عن الذهنية اللبنانية، لأن الشعب هنا اعتاد أن يغض النظر عن الكثير من الممارسات الخاطئة. كما أنني عملت على استهداف الأطر العامة لشخصية اللبناني عبر وضعه في مواجهة مع ذاته، وذلك عبر تسليط الضوء على ازدواجيته. فعلى سبيل المثال، اللبناني وبرغم اعتماده على الشتائم كمصطلحات يومية، الا أنه غير قابل أن يسمعها نفسها على الشاشة. فهو بشكل عام مُتصنع وغير متجانس مع نفسه، وأنا بطبيعتي أكره التصنع. وبالواقع كنت على علم منذ البداية أنني سأواجَه بالانتتقاد والرفض المبدئي نظرا للأسلوب الغير مألوف الذي نتبعه في وضع الأصبع على الجرح، لكن سرعان ما سيجد هذا الأسلوب صدىً لدى الناس بسبب واقعيته.

ما سر هذه الشعبية لدى فئة الشباب اللبناني بشكل خاص؟ وإلى أي درجة تعتبر نفسك اليوم قريب من همومهم وتتحدث بلغتهم؟ تركيبة التلفزيون اللبناني تتوجه بشكل عام لكبار السن لا للشباب، الذين اتجهوا نحو الانترنت. لذلك لم يكن الشاب اللبناني يجد مكان أو منفذا له ضمن المساحة التلفزيونية، لكن مع برنامج ك “شي ن ن”، وجد أخيرا صيغة محلية تحاكيه، صيغة لا تجامل وتقول الأمور كما هي، صيغة نجحت في استمالة الشباب الطائفي والغير طائفي معا بسبب جرأتها وصراحتها، وهنا نقطة الارتكاز التي اكسبتنا شعبية لدى الشباب.

بالنسبة لاعتمادك أسلوب النقد الساخر، برأيك عندما يتم توظيف رسالة سياسية أو اجتماعية عميقة ضمن اطار ترفيهي كوميدي، هل ينتقص ذلك من قيمة الرسالة أم على العكس يعززها؟ النقد الساخر بداية هو أسلوب أقدم بكثير من الكوميديا، ولطالما كان له تأثير ايديولوجي بارز، كالدور الرئيسي الذي لعبه خلال الثورة الفرنسية. وأرى أنه على العكس، تصل الرسالة أسرع الى المشاهد وتترسخ أكثر لديه عندما تصله بطريقة محببة ومسلية، عوضا عن الأسلوب الجاف الذي قد يحد من تأثير الرسالة. لذلك أود أن أشير أن الهدف من نقدنا الساخر هو “التأثير للتغيير”.

وبرأيك كيف يمكن لبرنامج كـ “شي أن أن” أن يؤثر ليغير؟ البرنامج يبرهن أن السياسيين ورجال الدين شخصيات غير منزهة ويمكن انتقادها في أي وقت، وبذلك يعمد الى التأثير في نمط التفكير اللبناني، عله يساهم في صنع التغيير.

وفيما يتعلق تحديدا بالنفَس الطائفي المتصاعد، كيف تستخدم منبرك الاعلامي لمحاربته؟ أبدأ من نفسي، فالعديد من الناس مثلا تستغرب كيف لرجل سني أن ينتقد الحريري، وموقفي هذا يؤكد مدى سذاجة ورجعية فكر التبعية القائم في لبنان، والذي يعتبر أننا ملزمين باللحاق بالسياسي أو الحزب الفلاني لمجرد انتمائنا للطائفة الفلانية. لذلك أعمد الى كسر هكذا حواجز وتشجيع المشاهد على تجاوزها، وإظهار أن لكل منا الحق الكامل في تبني أي موقف سياسي أو اجتماعي يقنعنا حتى وإن تعارض مع القوالب الطائفية الضيقة. كما أن اعتمادنا المتكرر في البرنامج على السخرية من الطائفية يجعل منها مادة سريعة التداول بين الناس، ويصنع من ذلك صيحة شبابية عالية النبرة، فيشعر الطائفي عندها أن عليه مواكبتها أيضا والتماشي معها والخروج عن نمط التفكير الطائفي الرجعي، وهذا المطلوب. أما فيما يتعلق بمسألة الدين، فقد تعمدنا الاشارة الى أن الكنيسة لا تترجم بالضرورة الدين المسيحي، والحركات الأصولية والتكفيرية لا تمثل الدين الاسلامي، بل على العكس، الدين الاسلامي برأيي  دين علمي جدا. لكن حالات الفقر المستشري ونقص الثقافة أدت بالبعض الى التطرف وإلى الحقد الطبقي تحت راية الاسلام بحجة أنه نصرة للمظلوم، لكن ذلك لا يمت بصلة الى الدين.

اذن أستنتج من حديثك انت لست ضد الدين كقيمة بل ضد الممارسات الخاطئة والمتطرفة تحت رايته…  طبعا، فأنا مثلا مسلم علماني. أنا مؤمن جدا بالله، لكن أقارب الدين بطريقة مختلفة وأرى فيه جوهرا متطورا. وبرأيي لا يحق لأحد أن يتدخل في شكل العلاقة بين الانسان وربه. المشكلة الفاضحة إذن في التفسير الخاطئ للدين مما يولد الممارسات الخاطئة. فمثلا الدين الاسلامي تاريخيا مر بعصر ذهبي دام مئات السنين، كان المسلمون خلاله يقاربون الدين بطرقة علمية.

لكن برأيك ما سر الرجعية التي نشهدها اليوم؟ هي ببساطة نتاج الفقر. ففقر الجيب يولد فقر العقل. عندما يصبح هم الانسان الأوحد تأمين قوته وحاجاته الأساسية ليعيش، يفقد أي رغبة أو قدرة بالسعي وراء الثقافة، فتصبح الثقافة حينها نوع من الترف. لذلك نشهد اليوم ردات فعل رجعية عند بعض العينات، ان كان في طريق الجديدة أو في الضاحية.

وهل تعتقد أن التعدد الطائفي هذا يغني لبنان، أم هو بمثابة لعنة وسبب لمعاناته؟ كان من الممكن أن يكون عاملاً يغنيه لو توفرت ثقافة موحدة، لكن للأسف في لبنان لا نتفق سوى على التبولة والحمص، وتنقصنا الثقافة الموحدة، ونعاني من شرخ ثقافي كبير بين طائفة وأخرى، وحتى بين شارع وآخر، وقد حولنا بذلك الاختلاف الى خلاف ونقمة.

وبالمقابل كيف تنظر لمفهوم العلمانية؟ برأيي العلمانية وبعكس ما يعتقده البعض، ليست بعامل مهدد، بل على العكس، هي الحفاظ على الأديان والحفاظ على الأقليات. وفي رصيد علمانيي المنطقة العربية تاريخ حافل، برغم فشل بعض تلك الأنظمة التي اعتمدت الجزمة العسكرية. لكن بأي حق اليوم نحاول أن نمحي هذا التاريخ كما يفعل التكفيريين؟ على فكرة، لا يشكل التكفيريون تهديدا بمحو الكنائس فقط، بل أيضا بمحو المساجد، أنا استغرب مثلا كيف لم يتحرك أحد عندما تم هدم المسجد الأموي مؤخرا في سوريا والذي يبلغ عمره حوالي الألف وستمئة عام، أو عندما قامت أميركا بسرقة آثار العراق، تمنيت لو أن مسلما أو عربيا واحدا تحرك وطالب باستردادها. للمفارقة، يتحركون فقط عندما نستخدم الشتائم على الشاشة.

على صعيد محلي، لقد شاهدناك في الاعتصامات الداعية لقانون انتخابي نسبي والرافضة لتبني القانون الأرتذوكسي، برأيك ما مدى أهمية أن يشارك الاعلامي اليوم بالتحركات الشعبية عوضا عن الاكتفاء بحصر موقفه بشاشة التلفزيون؟ شخصيا أشعر بواجب وطني لدعم المجتمع المدني، مع أنني أحيانا أختلف مع بعض عناصره في وجهات النظر. لكن فعليا وقت الحرب والكوارث، من أول طرف ينزل الى الأرض ويسارع بحركة الاعمار والبناء؟ طبعا هو المجتمع المدني، لا الدولة! لذا أحاول دوما التنسيق مع ناشطيه للتسويق لتحركاتهم المحقة و وضع استراتيجية تنسيق بين مختلف الجمعيات.

من موقعك سلام أنت كثيرا ما تنتقد، لكن الى أي مدى بالمقابل تتقبل أن تنتقد؟ كثيرا ما أنتقد، ولا مشكلة لدي في ذلك طالما أن النقد علمي وموضوعي، بل على العكس أحب أن أعود وأرد بطريقتي على هذا النقد لأخلق جو، لكن النقد التهكمي لا يعنيني. على فكرة نحن نعتمد النقد الذاتي لتقييم الحلقات واستبعاد الفقرات التي بدت “بايخه”.

انطلاقا من هذا النقد الذاتي، هل تعتبر أنه قد تتخلل الحلقات أحيانا مبالغات في الشتائم أو ايحاءات معينة؟ بلى أحيانا تحصل بعض المبالغات التي قد نكون في غنى عنها، أعترف بذلك، كالحلقة التي عرضت خلال عيد الأضحى الماضي. لكننا بالمقابل نضع تحذير في مقدمة البرنامج من جرأة المحتوى، لا سيما تجاه الأطفال.

ختاما، ماذا تقول للشباب اللبناني الذي لا زال يؤمن اليوم بالتغيير برغم كل التحديات والحواجز؟ أقول لهم أنه ومنذ فجر التاريخ، وحده الانسان الذي لا يستسلم لواقعه ونمط التفكير السائد ويتجرأ على كسر الحواجز التقليدية والخروج من ذهنية القطيع هو القادر فعليا على صنع التغيير، حتى ولو لقبه المجتمع بالمجنون. المجنون هو الذي يغير. لذلك فليحافظوا على نمط تفكيرهم التجديدي هذا وليفسروا للجميع أن العلمانية هي خلاص لبنان، فلا بد لايجابيتهم أن تولد آفاق جديدة…

Share.

About Author

باسل عبدالله - تواصل مدني

Comments are closed.