مجلة تواصل مدني- هكذا يرون غريغوار حداد

0

33930_145186952192699_641271_n

مجلة تواصل مدني – العدد 16- عن شهر 4/2016- هكذا يرونه- ص. 14- إعداد أديب محفوظ

كُثرٌ هم الذين كتبوا عن المطران غريغوار حدّاد بمناسبة رحيله ، هو في نظرهم الرجل الرسالة، الذي انتزع حياته من سياقها الخاص لتكون بخدمة الفقراء والمهمّشين. وهو في وعيهم الإنسان المناضل من أجل إعلاء قيم الإنسانية. ولأنهم كُثُر، فسوف نورد بعضاً من الصور التي حفرها غريغوار في ذاكرتهم، وبعضاً من المحطّات التي كان لها وقعها الجميل في نفوسهم ونفوس من عاصرها. ولا ننسى تلك المبادئ السامية التي ترجمها غريغوار التزاماً صادقاً في واقع الحياة.

غريغوار حدّاد، هو المطران الذي لم يجد فارقاً بين دين ودين ولا بين إنسان وإنسان. بالتأكيد كان مثله مثل البابا الحالي، لا يؤمن بالجحيم وبالطبع لا يؤمن بالشيطان ويعرف أن ملاحدة كباراً خدموا الإنسانية أكثر من مؤمنين .. وجهه كان مستقبل الكنيسة وأن ما فكر به واستعدى عليه كثيرين في الكنيسة وخارج الكنيسة كان بسيطاً وبديهياً ومشرق الوضوح كمحياه وبسمته ونظرته.. كان همه أن يكون إنساناً بقدر ما يمكن للمرء أن يصل إلى الإنسانية. وبالطبع فكر وطرح أفكاراً لكنه رأى بوجدانه، بإنسانيته، ببداهته، رأى ما أغضب كثيرين لفرط ما كان بديهياً وصريحاً وواضحاً.. كان بسيطاً أن يقال مجدداً أن البشر أخوة وأن الحقيقة متعددة وأن لكل حقيقته ولكل دينه وأن نذر الفقر والتواضع نذر ديني في الأساس، رأى ذلك لأنه فقط نظر بعينيه، وليس من وراء حجب ولا من وراء تعاليم صارت مع الوقت أنصاباً.. كان يتوغل في المحبة ويبتعد فيــها وكلما ابتعد كان وجهه يزداد صفاءً وفكــره يــزداد رهافة. هو الذي كان يُحوِّل كل شيء إلى حــياة وإلى روح. كان هذا سحــره وكانت هذه أعجوبــته وقد مضى اليــوم وترك أعجوبته بيننا (الشاعر والصحافي عباس بيضون– جريدة السفير).

وجد غريغوار أن الرئاسة ليست من الحب لذلك طلب أن لا يُدعى مطران غريغوار بل أب غريغوار من أبعد حد. كذلك اعتبر أن المال رديف للسلطة وهو أيضاً عبء عن الحب لذلك طلب من الكهنة أن يقوموا بخدماتهم مجاناً وأن يكون لهم راتب شهري من الصندوق الموحد بالمطرانية وهذا ما سبب نقمة عليه .. غريغوار حداد ليس صفحة من التاريخ تهوي بل هو حلم بدأ خطواته فسقط تحت كابوس الحرب الأهلية. واليوم هذه الصفحة بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة لأن الأيام تعيد نفسها كما كانت قبل العام 1975 (الدكتور والأب ميشال سبع، مدير عام مجلّة آفاق).

غريغوار لم يعد بيننا. كان أيقونة الناس المؤمنين بالإنسان كهدف وغاية، وكل ما في الدنيا، لخدمته. خدمة كل إنسان، وكل الإنسان. لا تفريط أبداً بما يلزم أن تكون مؤمناً. شرط إيمانك القويم، أن تؤمن، أن لا أول قبل الإنسان.. المطران المزعج، عاش مطمئناً على صراطه المستقيم. قال ما لا يقال، حتى سراً. أعلن على الملأ، ما يثير جلبة وشكوكاً. كتب ما لا تأذن به السلطات الكنسية. لا حدود لجرأته. قال: «يلزم تحرير المسيح من الكنيسة»، بل يجب «تحرير المسيح من المسيحية». كل إيمان لا يكون غرضه خدمة الإنسان، هو إيمان صنمي. منحرف عن جوهر الرسالة.. .. «المطران الأحمر». أطلق عليه اللقب لإدانته. فهو قريب من اليسار، يبرر وجود المؤمنين والملحدين، يرى إلى الأناجيل، ما لا يراه الطقس اللاهوتي الكنسي، الذي يعود إلى القرون الوسطى… «المطران الأحمر»، وقف ضد «رأسمالية الروحانيين» (رجال الدين) المتحالفة مع «الرأسمالية اللبنانية الجشعة»… مثل هذا المطران، يصعب أن يبقى في منصبه. فسيف الكنيسة طويل، ويطال، ولقد طاله كثيراً.. وما ان اعتلى غريغوار سدة المطرانية، حتى خلع عليها تواضعه. رفض أن يقلد من سبقه، وقرر أن يكون مطراناً في خدمة الآخرين. وهو ما دفعه إلى إعادة التفكير بدور الكنيسة وفي موقفها من الإيمان وممارسته حياتياً من أجل عدالة إنسانية، ومن أجل الوقوف إلى جانب المعدمين والمحتاجين. فلا نجد في أرشيف الصور ما يشي بفخامة وصلبان مذهبة وتيجان متلألئة. نجد رجلاً يشبه الآخرين، لا يتقدمهم، بل هو في وسطهم، بصوته المتواضع وهمته العالية وإصراره المعاند ومحبته السخية وميله إلى الإنجاز.. المطران غريغوار حداد، لن يكون بيننا بعد اليوم. هذا غلط. هو لم يذهب كله. أغلبه ظل معنا. هو حاضر عما أنجزه. باق بما أبدعه. مستمر في ما حققه. مقصود في كل ما له بالعلمانية، متبوع من قبل أنقياء القلب والروح، مضبوط بكل من كان إلى جانبه… هو نموذج الرجل الكبير الذي عاش فقراً وعزلة وبساطة، خسر قليلاً وربح كثيراً، لأنه لم يتراجع، لم يستسلم، لم يرضخ لإغراء أو منصب… موطئ قدميه مقدس، لأنه لم يطأ إلا أرضاً خصبة بالإنسانية .. غريغوار سيبقى معنا، لأنه صوتنا، في هذه العتمة الدينية القاتلة… (الكاتب والصحافي نصري صايغ– جريدة السفير).

رأى الحقيقة في الإنسان، كل إنسان وكل الإنسان، كما كان يطيب لها قولها وكان من الأوائل الذي يتلونها هكذا قبل أن تغدو شعاراً تنموياً رائجاً، هي الحقيقة الكبرى التي لا تُرى في أي تصنيف له في رتبة دونه! فالتعليم الديني مبتغى تلقائي بمثابة حق قدسي وطائفي فئوي، أما هو فما يعنيه ويؤرقه ويشكل ممارسته هو «التعليم الديني في مجتمع متعدد الأديان»، عنوان أحد مؤلفاته الذي نقرأ جوهره الواسع في كل عناوين تآليفه وأقواله وأفعاله، ومنها محاضرته: «الله على مسافة واحدة من جميع الأديان». لقد تجمّدت مقولة «العيش المشترك» في لبنان في نصوص نأت عن الحياة والإنسان، وها هو يُعيد تصويبها وبثّ الحياة الإنسانية في أوصالها، رافعاً السدود والفوارق والعوائق بين المواطن والمواطن في دولة ترعى المساواة في التنوع وتغني العمق البشري، فكانت العلمانية عنده هي وحدها الوحدة الوطنية أينما كان، في لبنان ودنيا العرب والإسلام، وفي العالم الإنساني الأرحب: «العلمانية قيمة إنسانية» .. شخصية نادرة غريغوار حداد، ومثيرة للجدل ولسوء الفهم. صدقه القوي مع ذاته كان ينطوي دوماً على استفزاز ما لم يكن يشبهه في شيء: هذا الطفل الكبير البرّاق المحيّا الباسم الرقيق، كانت تخرج منه الأقوال والمواقف المزلزلة وكأنها، عنده، رسائل محبة وتبليغ وتذكير بالجوامع المشتركة! وانسحبت انفتاحاته على موضوع العروبة والإسلام، العروبة التي ارتقاها بعمقه المسيحي الشرقي وجعلها مشروعاً جامعاً كبيراً لا بد له من رواد كبار يدعمون عمقه الإنساني والعلماني والتقدمي بنموذج ناجح ومفيد للبشرية جمعاء كما لكل أبنائه. كان من السبّاقين، عقب 11 أيلول 2001 على رفع الضيم وسوء الفهم المفروض على مماهاة الإرهاب بالمقاومة.. ألّف غريغوار كتباً تربوية أخاذة في تعليم «القواعد العربية: منهجية جديدة»، وفي «علم العَروض: تفعيلات جديدة»، وعن «مرض المجتمع هو الطائفية»… وعن «المدخل إلى الإنماء»… وكل ما يهمّ الناس ويقرّبهم إلى بعضهم البعض ويفتح أمامهم طرق التقدم والبـناء المشــترك بمحبة عظيمة.. (الكاتب أنطوان سيف – جريدة السفير).Top of Form

المطران غريغوار حدّاد كان ملهماً للعديد منا. فشل وفشلنا. هُزم وهُزمنا. لكنه أرسى قواعدَ مناهضةِ النظام الاجتماعي الاقتصادي السياسي الذي يشكو منه الجميع في لبنان، والذي يزداد ترسخاً. أمضى حياته يناضل في سبيل العلمانية، التي لم يعتبرها يوماً مناقضة للإيمان بالله. كان الدين عنده تجربة روحية فردية، ما عليها التقيد بالطقوس الشكلية إلا إجرائياً. كان همّه دين الناس لا دين المؤسسة. لم تطقه المؤسسة. صار مطراناً من دون رعية. صار كل اللبنانيين رعيته. هناك الدين المكرّس في الكتب، وهناك الدين الإنساني النابع من المشاعر والوجدان. ما كان يميّز بين الإيمان بالله والإيمان بالإنسان. خلق الله الإنسان على صورته. والله بداية ونهاية. هو المطلق. وهو المصير. لا تستطيع أن تكون ملحداً ناكراً في حضور المطران حداد، لأنه، بكل بساطة لا يدعك تخرج عن إنسانيتك؛ ولا يترك لك المجال للتخلي عن قضيتك، حتى ولو لم يوافقك الرأي. تمتع بصفة ليست شائعة إلا بين القليل من اللبنانيين، وهي الرضى. لم تداخله المرارة يوماً. يولد الرضى مع الإنسان أو لا يولد. هو صفة تنشأ مع الفرد. من أنعم عليه بها لا ييأس ولا يمل؛ يعيد الكرة كلما رأى الطريق مسدوداً. كان مواطناً بالدرجة الأولى. لديه مسؤولية تجاه المجتمع والدولة. إيمانه يحتّم عليه ذلك. فرد روحه أوسع من المجتمع والدولة. استبطن المجتمع والدولة في ذاته. الإيمان الفردي أولى من المعتقد. لا حدود للإيمان؛ المعتقد دائماً محدود بالطقوس. الإيمان لا يمكن أن يكون إلا فردياً؛ التجربة الروحية فردية. المعتقد جماعي. المؤسسة معنية بالمعتقد أكثر منها بالإيمان، فكان الاحتكاك بينهما، وأدى إلى ما أدى إليه. لم يتراجع. لا يتناقض الإصرار على القضية مع الرضى. قضيته الإنسان بإيمانه. قضيتهم المعتقد والطقوس. تفوّق بالإيمان. تفوّقوا بالطقوس. تابع الطريق في القضايا الاجتماعية. استطاع ذلك لأنه كان صاحب هيبة على الكثيرين من الذين أرادوا التغيير وشاؤوا ذلك بقيادته .. ناضل المطران حداد من أجل أن يكون الدين، كما بقية النشاطات البشرية، في هذا العالم ومنه. ناضل من أجل أن يستعيد الإنسان معناه ومركزيته. اعتبر أن النظام الطائفي، بجعله الإنسانَ وسيلةً، يبعدنا عن الله ولا يقرّبنا منه. أن تكون مواطناً يعني أن تشارك في المجتمع وأن تسهم في القرار والصيرورة. أن تكون مواطناً يعني أن تكون فرداً تعمل وتسلك حسب ضميرك الشخصي. أن تكون مواطناً يعني أن تصير وجوداً مركزياً، أن تكون أنت الغاية لا وسيلة لما هو خارج عنك. أن نفقد المطران حداد معناه خسارتنا جميعاً لنور مضيء في ليل طائفي كافر (الكاتب والوزير السابق الفضل شلق – جريدة السفير).

المطران غريغوار صاحب شخصيّة رفدت الثقافة الدينية والوطنية، بنبض حضاري متقدم، مستقبلي شجاع، واجه فيه بكل بساطته ودماثته وفكره النيّر، أشرس الهجمات التي يواجهها عادةً المصلحون الكبار في مجتمعاتهم، وفي شرقنا بالذات. فهو في الظاهر، واحدٌ من رجال الدين والكنيسة، ولكنه في الجوهر، كان أوسع بكثير من هذا الإطار، مما جعله في نظر الكنيسة وأجوائها الحاضنة، من المجدّفين، وأعطيت له صفة العلمانية التي كان يفتخر بتبنيها، ولكنها أُعطيت له، بمعناها العاميّ السائد، الذي يجعل منه خارجاً على الدين وتعاليمه؛ والمفارقة هنا، أنّ الكنيسة التي أقرت بالعلمنة مرغمةً، ثم قبلت الفصل الكامل بين الدين والدولة، لم تغتفر للمطران حداد علمانيته التي كانت علمانية مؤمنة، وكان يستلهم ماهيتها وجوهرها، من مقاصد الدين نفسه، وهذا ما واجه قبله العديد من رجال الدين، مسلمين ومسيحيين، ولكنهم أمام الهجمات القاسية التي تعرضوا لها، تراجعوا عن مواقفهم، أو ذهبوا إلى عزلة من الحياة والفكر والفعالية؛ فيما المطران حداد، لم يكن يرى، في موقف الكنيسة منه، وهي التي جرّدته من مسؤولياته الدينية، ما يزحزح أصالته وفكره وعقيدته، ودعوته الدائمة والمستمرة إلى العلمانية، ولا شك في أنها علمانية مؤمنة أراد بها تصحيح ما ينطبع في أذهان الناس، عن ربط العلمانية بالإلحاد، أو التناقض مع الإيمان الديني.. إن حاجة حركة النهوض والتنوير في المرحلة الراهنة، تجعل من خسارة رموزها، خسارة فادحة، والمطران حداد، بسيرته وبتراثه وجاذبيته، وتديُّنه الحقيقي، هو في نظري، أحد رموز حركة التنوير والحوار المبدع بين الأديان، وهو أحد الممهّدين الكبار لقيام نهضة وطنية وعربية (العلّامة محمّد حسن الأمين).

في كل الامتحانات التي واجهها «غريغوار» كما يناديه تلامذته ورفاقه، لم يفقد ثقته بالانسان. احتذى بالسيد المسيح وبذل كل ما بالامكان لاعادته إلى الناس، إلى البسطاء، من خلال تطبيق فكرة العدالة الاجتماعيّة .. كان يرى أن مشروعه الإيماني، لا يكتمل من دون الانسان، صورة الله على الأرض، لذلك كان النضال من أجل العدالة، جزءاً من رسالته. كان العمل مع الناس ـــ أيّاً كان دينهم لونهم اتنيتهم عقيدتهم ـــ والعمل من أجلهم، جزءاً من واجباته كمسيحي وكرجل دين. لذلك كان الإلتزام السياسي والأخلاقي في صلب فهمه لعقيدته وتطبيقه لها، من خارج كل المتاريس والعصبيات والغيتوهات الفئويّة. كان دينه انفتاحاً على الآخر حتى الاندماج به، وإصغاء إلى نبض المجتمع، وعملاً متواصلاً من أجل التقدّم والتغيير. كان يضحك حين نذكّره باللقب الاختزالي الذي أطلقه عليه خصومه: «المطران الأحمر»: «إنا مع الإنسان، حسب تعاليم المسيح، ليس إلا». شبك الدين بالانسان وشرّعه على المستقبل. مسيحيّته المتجذّرة في المكان والمشرّعة على العالم، وجدت مكانها الطبيعي في صلب الهويّة العربيّة لغة وأرضاً وتاريخاً ومعارك سياسية ووطنيّة. ومن منطلق إيماني أيضاً دافع بقوّة عن الزواج المدني… وخاض معاركه من أجل كسر القوالب الدوغامتيّة الجامدة، وتطوير الوعي الديني عبر الفكر والاجتهاد… ووقف ضد التمييز الجنسي بحق المرأة، وضد الظلم بكلّ أشكاله. ومن المنطق نفسه دافع عن العلمانيّة الشاملة التي تنتج إنساناً ومواطناً، ولا تتناقض لحظة واحدة مع الإيمان والعقيدة الدينيّة (الصحافي بيار أبي صعب- جريدة الأخبار).

وقلّما عرف المجتمع اللبنانيّ والمجتمعات العربيّة مفكّرًا ومسؤولاً دينيًّا اتّصف كيانُه وفكرُه وقولُه وفعلُه بمثل هذا المقدار من التحرّر الذاتيّ والتوق الشغوف إلى تحرير الإنسان من جميع سلاسل العبوديّة والظلم والقهر. هو المطران غريغوار حدّاد.. نودّعه ونحن نسأل أنفسنا: لو كنّا قد أصغينا إليه في لبنان، أوَما كنّا قد جنّبنا أنفسنا هذه المهلكة التي نهوي كلُّنا فيها؟ كيف لمجتمع أنجب مثالاً في الإنسانيّة على هذا القدر من الصفاء يُمكنه أن ينهار ويتحلّل وينحدر إلى مثل هذا القعر من التعصّب والجهل والعمى؟ فهو ينتمي إلى ثلّة من المفكرّين اللاهوتيّين اللبنانيّين المسيحيّين الذين يعتقدون اعتقادًا راسخًا أنّ الشرق العربيّ يحمل في وعيه تصوّراتٍ خاطئة عن الله وعن الإنسان، وأنّ الزمن قد حان لتغيير هذه التصوّرات الدينيّة الخاطئة. وظنّه الأغلبُ أنّ الناس في هذا الشرق ورثوا عن الله وعن الدين وعن الإيمان أفكارًا شوّهت فيهم صفاءَ التصوّر السليم لمعنى الاختبار الروحيّ الأسمى. فإذا به يقف ذاته لخدمة القضيّة الإنسانيّة الأسمى، عنيتُ بها تحرير الله من التباسات البناءات اللاهوتيّة الملتوية وتحرير الإنسان من انحرافات الاستقطاب الإيديولوجيّ القاهر. وأيُّ سبيل أقدر رفعًا لهذه الالتباسات وأحسن تقويمًا لهذه الانحرافات من النظر الدينيّ النقديّ الجذريّ الذي اعتمده غريغوار حدّاد في تناول الأنظومة الدينيّة في أساس عمارتها؟ فإذا به يميّز الجوهر من العرض، والإيمان من الدين، والكينونة الإنسانيّة من الرداءات الثقافيّة التي تلتحف بها. ويقينه الصلب أنّ الله هو عين الحرّيّة. فلا يجوز لأيّ دين من الأديان أن يتسلّط على الله.. (الدكتور مُشير باسيل عون– جريدة السفير).

لقد كان غريغوار ضمير الوطن عندما دعا بإصرار وثبات (وهو مطران) إلى إزالة النظام الطائفي في لبنان، وإلى تأسيس الدولة المدنية باعتماد «العلمانية»، ليس العلمانية الإلحادية على الطريقة الغربية، بل العلمانية المؤمنة. وكان ضميراً حيّاً نقدياً يوظَّف في خدمة الناس (الدكتور جيروم شاهين، رئيس تحرير مجلة آفاق).

لن تتسع هذه الصفحات لتناول كل ما كُتب، وكل من كتب عن غريغوار حدّاد. ولن يتّسع كل ما كُتِب ليستوعب ما آمن به الرجل، وما صرف عمره في سبيل تحقيقه ، فكانت تجربته الغنيّة فكراً ونضالاً ، وبعضٌ من جيلٍ مؤمنٍ برسالته وبواجب إكمال المسيرة                                                                                                                                               

Share.

About Author

باسل عبدالله - تواصل مدني

Comments are closed.