المخيّمات الفلسطينيّة .. القنبلة الموقوتة

0

 

ريما منصور

مقالة

بالأمس غير البعيد كانت الذكرى المئويّة لوعد بلفور، الوعد التاريخي الذي رافق الشعب الفلسطيني  بتداعياته وتأثيراته من داخل أرضه في فلسطين وإلى مخيمات اللجوء في البلدان المجاورة. تلك المُخيّمات التي نال لبنان نصيبه منها ، إذ بلغ عددها على الأراضي اللبنانية حوالي 12 مخيماً. بنيت على عجلٍ ودون أي تخطيطٍ أو تنظيمٍ، كبرت وتوسعت ونمت مما أدى إلى نشوء الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية وتفاقمها. وأصبحت  قابعة في ظل عشوائية فاضحة. وبالتزامن مع التطورات المتسارعة والأحداث يصبح المخيم قنبلة موقوتة تهدد الأمن والاستقرار في الداخل والمحيط.
كثرة المشاكل والأزمات داخل المخيّمات تعود إلى أسبابٍ لا تُعدّ ولا تُحصى، ويأتي في مُقدّمتها الإهمال، وبالطبع فإن الحديث عن هذه المشاكل يتطلب جهداً كبيراً ولا تتّسعُ له مِساحة هذه المقالة الصغيرة، لذلك سنعرض باختصار أبرز الأزمات الحاضرة، والتي ساهمت بتحويل كل مخيم على الأراضي اللبنانية إلى قُنبلةٍ  يُمكن استغلالها وتفجيرها في أي وقت.

على صعيد الوضع الاجتماعي، تتفاقم المشاكل والأزمات، ويعود ذلك إلى العديد من العوامل، ومنها أن اللاجئ الفلسطيني تحاصره قيود مفروضة عليه في مجال العمل وبالتالي انخفاض الفرص أمامه، حيث تمنع السلطات اللبنانية الفلسطينيين من مزاولة العديد من المهن، ما يؤدي إلى انخفاض مستوى الدخل الفردي. لذلك يعيش حوالي 74% من الفلسطينيين تحت مستوى خط الفقر، فيما 5% منهم يعيش تحت مستوى خط الفقر الأدنى. وبطبيعة الحال، يدفع هذا الوضع إلى اللجوء إلى  السرقة والقتل والذهاب نحو أمور أخرى غير شرعية.

من جهةٍ أخرى، تقوم المخيمات على البناء العشوائي والمقتظ الذي يفتقر لأدني مقومات العيش اللائق دون مراعاة لأي تنظيم مدني أو سلامة عامة، ما أدى إلى ظهور هذا الوضع المذري فيها. فضلاً عن  أن الفلسطيني لا يملك حق التملك بحجّة  أنه يمكن أن يكون طريقاً “للتوطين” وبالتالي التخلي عن “حق العودة”.

وسط كل هذه الظروف، تنتشر آفة المخدرات حيث يستغل المُروّجون فقر وعوز قاطني المُخيّم، والبطالة والأوضاع الاجتماعية المأساوية.

سياسياً، وانطلاقاً من حاجة المخيمات إلى التنظيم في أطر سياسية وإدارة شؤونها الاجتماعية والسياسية، من البديهي تكوين سلطة تحكم هذه المخيمات. فكان أن  تعددت المنظمات والحركات داخل كل مخيم وحملت معها اختلافاً في توجهاتها وسياساتها وأهدافها، الذي نتج عنه نزاعات واقتتال فيما بينها، ما انعكس، بطبيعة الحال، سلباً على الوضع الأمني وبالتالي تهديد للأمن والاستقرار داخل المخيم امتدّ إلى خارجه، مع غياب سلطة الدولة بأجهزتها وقوانينها عن هذه المخيّمات.

وسط هذه البيئة الحاضنة التي تكونت في ظل هذه الظروف الصعبة، تحوّلت المخيمات إلى فضاء واسع يستوعب جماعات تكفيرية تأخذ طابعاً “أصولياً جهادياً” تنمو وتتمدد بحرية داخلها (مثل: مجموعة بلال بدر، الحركة الإسلامية المجاهدة…)، بالإضافة إلى تفلت السلاح وانتشار للجماعات المسلحة والتجمعات الميليشياوية المتشددة التي يصعب خرقها. الأمر الذي جعلها تقع خارج سيطرة الدولة، وبالتالي قبوع المخيمات تحت سيطرة قوى منقسمة تنفجر في نزاعات واقتتال داخلي وتصفية حسابات فيما بينها بين الحين والآخر.

دخلت هذه الجماعات والقوى في صدامات عدة مع القوى الأمنية اللبنانية، كأحداث نهر البارد 2007 التي استمرت لأشهر مع جماعة “فتح الإسلام” وانتهت بالقضاء على التنظيم المذكور وتفكيك بنيته التنظيمية. أمّا البيئة الحاضنة ووجود الملاذ الآمن داخل مخيم عين الحلوة فقد دفع بجماعات تكفيرية باللجوء إليه وتحويله إلى ساحة للاقتتال وتصفية حسابات مع القوة الأمنية من حينٍ إلى آخر (أحداث 2007، نيسان 2017..). وتتكرر الصورة بشكل مستمر داخل هذه البؤر الجاهزة للانفجار لأي سببٍ وفي أي وقت.

ومؤخراً، خلال الأحداث الأخيرة التي رافقت استقالة الحريري، تمّ الحديث عن تهديدات صدرت عن المملكة العربية السعودية، وتضمّنت التخطيط للعمل على ملف المخيمات الفلسطينية وتحريكها في أكثر من منطقة وخصوصاً في مخيم عين الحلوة كنوع من تفليتٍ للوضع الأمني تحقيقاً لغاياتها.

رغم هذا الوضع المذري، وتنامي الجماعات الإرهابية مع إمكانية انهيار الأمن في المخيّمات في أي وقت، يبقى المخيم مثل أي مكانٍ آخر تمرُ فيه تفاصيل الحياة اليومية بشكلٍ اعتيادي رغم كل الأحداث المتلاحقة. ويعيش اللاجئ فيه بصفة مؤقتة، على أمل أن لا يكون هذا المخيم  بالنسبة للاّجئين فيه، مسقط الرأس، وحاضن أجساد الراحلين، إلى الأبد.

Share.

About Author

باسل عبدالله - تواصل مدني

Comments are closed.